للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ابن سينا١ في الخطابة والشعر، وذكر ضربًا من ضروب الشعر اليوناني يسمى "اللاغوذيا"٢، وقام فأحضر كتاب "الشفاء" لأبي علي، ووقفني على ما ذكره، فلما وقفت عليه استجهلته، فإنه طول فيه وعرض، كأنه يخاطب بعض اليونانيين، وكل الذي ذكره لغوٌ لا يستفيد به صاحب الكلام العربي شيئًا.

ثم مع هذا جميعه فإن معول القوم فيما يذكر من الكلام الخطابي أنه يورد على مقدمتين ونتيجة، وهذا مما لم يخطر لأبي علي بن سينا ببال، فما صاغه من شعر أو كلام مسجوع، فإن له شيئًا من ذلك في كلامه، وعند إفاضته في صوغ ما صاغه لم تخطر المقدمتان، والنتيجة له ببال.

ولو أنه فكر أولًا في المقدمتين والنتيجة، ثم أتي بنظم أو نثر بعد ذلك لما أتى بشيء ينتفع به، ولطال الخطب عليه!.

بل أقول شيئًا آخر، وهو: أن اليونان أنفسهم لما نظموا ما نظموه من أشعارهم لم ينظموه في وقت نظمه، وعندهم فكرة من مقدمتين ولا نتيجة، وإنما هذه أوضاع


١ هو الشيخ الرئيس أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي الحكم المشهور، ولد بقرية من قرى بخارى، وانتقل في البلاد، واشتغل بالعلوم، وحصل الفنون، ولما بلغ عشر سنين من عمره كان قد أتقن علم القرآن الغزير والأدب، وحفظ أشياء من أصول الدين، وحساب الهندسة والجبر والقابلة، ولما توجه نحو الحكم أبو عبد الله الناتلي أنزله أبو الرئيس أبي علي عنده؛ فابتدأ أبو علي يقرأ عليه كتاب "إيساغوجي"، وأحكم عليه علم المنطق وإقليدس والمجسطي، وفاقه أضعافا كثيرة، حتى أوضح له منها رموزا، وفهمه إشكالات لم يكن الناتلي يدريها كما أتقن الفقه، والبحث والمناظرة، كما نبغ في الطب ومات بهمذان سنة ٤٢٨هـ، وهو في الثامنة والخمسين من عمره.
٢ هكذا في الأصل، ولم يذكر ضرب من ضروب الشعر بهذا الاسم، وإنما المذكور نوع من الشعر يسمى "طراغوذيا"، قال ابن سينا: فمن ذلك نوع من الشعر "يسمى طراغوذيا"، له وزن لذيذ طريف يتضمن ذكر الخير، والأخيار والمناقب الإنسانية، ثم يضاف جميع ذلك إلى رئيس يراد مدحه، وكانت الملوك فيهم يغنى بين أيديهم بهذا الوزن، وربما زادوا فيه نغمات عند موت الملوك للنياحة، والمرثية "انظر الفن التاسع من الجملة الأولى من كتاب الشفاء -فن الشعر ١٦٦"، وقال في موضع آخر: إن "طراغوذيا" هو المديح الذي يقصد به إنسان حي أو ميت، وكان يغنون به غناء فحلا، وكانوا يبتدئون فيذكرون فيه الفضائل والمحاسن، ثم ينسبونها إلى واحد، فإن كان ميتا زادوا في طول البيت، أو في لحنه نعمان تدل على أنها مرئية، ونياحة "المصدر السابق ١٦٩"، وكلمة "طراغوذيا" تحريف لكلمة "تراجيديا"، وترجمتها المأساة أو الرواية المحزنة.

<<  <  ج: ص:  >  >>