للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فإن قيل: فلم لا تنسب الأسماء المشتركة إلى اختلاف القبائل, لا إلى واضع واحد?

قلت في الجواب: هذا تعسُّف لا حاجة إليه، وهو مدفوع من وجهين: أحدهما: ما قدمت القول فيه من الترجيح الذي سوَّغ للواضع أن يضع، الآخر: أنَّا نرى أنه قد ورد من الجموع ما يقع على مسميين اثنين، كقولهم: "كعاب"، جمع "كعب" الذي هو كعب الرجل، وجمع "كعبة" وهي البنية١ المعروفة، وإذا أطلقنا اللفظ فقلنا: "كعاب" من غير قرينة, لا يُدْرَى ما المراد بذلك: أكعب الرجل أم البنية المعروفة? وكذلك ورد واحد وجمع على وزن واحد، كقولهم: "راح"، اسم للخمر، وراح جمع راحة وهي الكف، وكقولهم: "عقاب"، وهو الجزاء على الذنب، وجمع "عَقَبَة" أيضًا.

وفي اللغة من هذا شيء كثير، وهو بالإجماع من علماء العربية أنه لم يجر فيه خلاف بين القبائل، فاتضح بهذا أن الأسماء المشتركة من واضع واحد.

فإن قلت: إن الواضع إنما وضع المفرد من الألفاظ والجمع وضعه غيره.

قلت في الجواب: إن الذي وضع المفرد هو الذي وضع الجمع؛ لأن من قواعد وضع اللغة أن يوضع المفرد والجمع، والمذكر والمؤنث، والمصغر والمكبر، والمصادر، وأسماء الفاعلين، وما جرى هذا المجرى، وإذا أخلَّ بشيء من ذلك كان قد أخلَّ بقاعدة من قواعد وضع اللغة.

ثم لو سلَّمتُ إليك أن واضع الجمع غير واضع المفرد لكان ذلك قدحًا في الواضع الثاني؛ إذ جاء بالإبهام عند إطلاق اللفظ؛ لأنه جمع كعبة -التي هي البنية وكعب الرجل- على "كعاب"، وهذا لفظ مشترك مبهم عند الإطلاق، ولا فرق بين أن يضعه الواضع الأول أو واضع ثان, فإن الإبهام حاصل منه.

وكان فَاوَضَنِي بعض الفقهاء في قوله تعالى في سورة البقرة: {صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} ٢ وقال: إن لون البقرة كان أسود، والأصفر هو الأسود،


١ قال صاحب القاموس: والبنية كغنية الكعبة لشرفها.
٢ سورة البقرة: آية ٦٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>