للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومما ينتظم بذلك قول الشاعر في أبيات الحماسة١:

صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه ... فلما علاه قال للباطل ابعد٢

فقوله: "صبا ما صبا" من الإبهام الذي لو قدرت ما قدرت تفسيره لم تجد له من فضيلة البيان ما تجد له مع الإبهام.

وعليه ورد قول أبي النواس:

ولقد نهزت مع الغواة بدلوهم ... وأسمت سرح اللحظ حين أساموا

وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابه ... فإذا عصارة كل ذاك أثام

فقوله: "وبلغت ما بلغ امرؤ بشبابه" من هذا النمط المشار إليه، وهو من المليح النادر.

ومما يجري على هذا النهج قول الآخر في وصف الخمر:

مضى بها ما مضى من عقل شاربها ... وفي الزجاجة باق يطلب الباقي

والكلام على هذا البيت كالكلام على البيت الذي قبله.

ومثله ورد قول بعض المتأخرين: "فؤاد فيه ما فيه".

وعلى هذا ورد قولي في فصل من تقليد لبعض الوزراء، فقلت:

"وأنت مؤهل لواحدة متخلق لها غرر الجياد، وتناديها العلياء بلسان الإحماد، وتفخر بها سمر الأقلام على سمر الصعاد، فابسط يدك لأخذ كتابها، واسمع لطيب ذكرها بعد سعيك في طلابها، واعلم أن الخطاب إليها كثير لكنها صدت بك عن خطابها، ولقد مضى عليها زمن وهي تفور، حتى استقادها تأنيسك، ولم تسبق الأقدار باسمك إلا لتكون سليمانها، وهي بلقيسك".


١ هو دريد بن الصمة، من قصيدة قالها في رثاء أخيه عبد الله بن الصمة، وأول المذكور منها في ديوان الحماسة ١-٣٤٢: نصحت لعارض وأصحاب عارض، ورهط بني السوداء والقوم شهدي.
٢ صبا الأول من الميل، والثاني من الصباء، وهو حداثة السن، والمعنى أنه مال إلى اللهو مدة صغر سنه، فلما شاب ترك الملاهي، هكذا شرحه التبريزي "١/ ٣٤٥" ديوانه الحماسة.

<<  <  ج: ص:  >  >>