للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الآخر: أنهم لا يتفرقون إلا عن استفادة علم، وأدب يقوم لأنفسهم مقام الطعام لأجسامهم.

وأما الذي يدل على ثلاثة معان، فكقول أبي الطيب المتنبي:

وأظلم أهل الظلم من بات حاسدًا ... لمن بات في نعمائه يتقلب١

فهذا يدل على معان:

الأول: أنه يحسد من أنعم عليه.

الثاني: ضد الأول.

الثالث: أنه يحسد كل رب نعمة كائنا من كان: أي يحسد من بات في نعماء نفسه يتقلب.

وهذا وأمثاله من أدل الدليل على زيادة المعنى على اللفظ، وهو شيء استخرجته، ولم يكن لأحد فيه قول سابق!

وحيث فرغنا من الكلام على هذا الموضع، فلنتبعه بذكر أقسام الإيجاز المشار إليها أولًا، وما ينصرف إليه، فنقول:

الايجاز بالحذف:

أما الإيجاز بالحذف فإنه عجيب الأمر شبيه بالسحر، وذاك أنك ترى فيه ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة.

وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون مبينا إذا لم تبين، وهذه جملة تنكرها حتى تخبر، وتدفعها حتى تنظر.


١ ديوان المتنبي ١/ ١٨٥ من قصيدة له في مدح كافور، وقد حمل إليه ستمائة دينار، مطلعها قوله:
أغالب فيك الشوق، والشوق أغلب ... وأعجب من ذا الهجر، والهجر أعجب
وقد شرح العكبري البيت المذكور بقوله: يريد أن أشد الظلم، وأقبحه حسد المنعم عليك، يريد: من بات في نعمة رجل، ثم بات حاسدا له فهو أظلم الظالمين، يريد: أن الحاسدين يحسدونه، وهو منقول من قول الحكم: "أقبح الظلم حسد عبدك الذي تنعم عليه لك".

<<  <  ج: ص:  >  >>