للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- وَشَّرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَيُّهَا الأخوة: سِيَرُ العلماءِ والصالحينَ مدارسُ نَنْهَلُ من مَعِينَهَا الصَّافي العَذْبِ الزُلالِ طريقَ الحياة، وكيفيةَ عُمْرانِها بالصلاحِ والتقوى، وهي الدروبُ التي تدُّل على النجاحِ الدنيوي والأخروي، وما أجملَ طالبَ العلم حين يقرأُ ويحتذي حذوهم بالجدِ والتحصيلِ، وما أروعَ العابدَ حين يسمعُ ثمّ يُطَبِّقُ أفعالهَم، وقد قال الإمامُ أبو حنيفةَ: (الحكاياتُ عن العلماءِ ومحاسنِهم أحبُّ إليَّ من كثيرٍ من الفقه، لأنها آدابُ القوم) وشاهدُه من كتاب الله تعالى قوله سبحانه: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ} (١) (٢).

ومن السيرِ المؤثرةِ والحوادثِ التاريخية الشخصيّة التي لاتُنسى، والتي لا بُدَّ وأن تترك أثراً عظيماً في نفس متأملها سيرةُ الْإِمَامِ، الْقُدْوَةِ، شَيْخِ الْإِسْلَامِ أَبي عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَقِيِّ بْنُ مَخْلَدِ الْأَنْدَلُسِيّ الْقُرْطُبِيّ، الْحَافِظِ، صَاحِبِ " التَّفْسِيرِ " و" الْمُسْنَدِ " اللَّذَيْنِ لَا نَظِيرَ لَهُمَا. (٣) ما يقولُ الذهبي تعالى.

وُلِدَ فِي حُدُودِ سَنَةِ مِائَتَيْنِ أَوْ قَبْلَهَا بِقَلِيلٍ، درَس وتفّقه وأخذ الحديثَ عن كبارِ علماءِ عصره، ومن شيوخه إمامُ أهل السنّة أحمدُ بنُ حنبل، وكان بَقِيُّ


(١) [يوسف: ١١١].
(٢) الإعلان بالتوبيخ لمن ذمّ أهل التاريخ للسخاوي (ص ٢٠).
(٣) سير أعلام النبلاء (ج ١٣، ص: ٢٨٦).

<<  <   >  >>