للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

كن من أهل الاعتذار الممدوح الذين يزيدهم اعتذارُهم رِفْعةً في الدنيا والآخرة، كما حصل مع نبينا -صلى الله عليه وسلم- في قصَّةٍ ذكَرَها أصحابُ السِّيَر، وفيها أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عَدل صفوفَ أصحابه يوم بَدْر، وفي يده قدحٌ يُعدِّل به القوم، فمَرَّ بسَواد بن غَزيَّة حليف بني عدي بن النجار، وهو مُسْتَنْتِل من الصَّفِّ، فطعَن رَسُولُ اللهِ في بطنه بالقِدْح، وقال: «اسْتَوِ يا سَوادُ»، فقال: يا رسول الله، أوجعتني وقد بعثَكَ الله بالحَقِّ والعَدْل، فأقِدْني، قال: فكشَف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن بطنه، وقال: «استَقِدْ»، قال: فاعتنقه فقَبَّل بطنه، فقال: «ما حمَلَكَ على هذا يا سَوادُ؟ » قال: يا رسول الله، حضر ما ترى، فأردْتُ أن يكون آخِرُ العَهْد بكَ أن يمسَّ جِلْدي جِلْدَكَ! فدعا له رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بخير» (١).

فانظر كيف لم تمنَع النبي -صلى الله عليه وسلم- مكانتُه وهو القائد، ولم يمنعه ظَرْفُ الحال وهو في معركة من الإقرار على نفسه، ثم محاولة إصلاح الخطأ - بأبي هو وأُمِّي -صلى الله عليه وسلم- - بقوله: «استَقِدْ»! ! يا لها من شِيمةٍ لا تكون إلَّا في كبير!

وأجمل الاعتذار وأهنأه وأروعه، هو الاعتذار لرَبِّ العالمين، والالتجاء إليه، والدعاء بقبول التوبة والمغفرة والرحمة، والستر على الدوام؛ كما قال الله تعالى عن أبينا آدم وأُمِّنا حواء: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (٢).


(١) سيرة ابن هشام (٢/ ٢٦٦)، والأثر حَسَّنه الألباني في "الصحيحة" (٦/ ٨٠٨ - ٢٨٣٥).
(٢) [الأعراف: ٢٣].

<<  <   >  >>