للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

(١) أن المنهي عنه في الآية هو الدخول بغير استئناس؛ وليس المنهي عنه هو الدخول، وهذا يدل على أن الداخل ممن أجاز له الشرع الدخول دون حجاب (١)، لأنه قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - التشديد في النهي عن دخول الرجال الأجانب على النساء فقال - صلى الله عليه وسلم - " إياكم والدخول على النساء" فقال رجل من الأنصار يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال" الحمو الموت". (٢)

(٢) أن الاستئذان في هذه الآية جاء بلفظ الاستئناس (٣) {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} (٤) والاستئناس كما صح عن مجاهد - رضي الله عنه - في قوله {حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا} قال: تنحنحوا وتنخموا. (٥)


(١) يؤكد ذلك: أن تقييد البيوت المنهي عن دخولها بغير استئناس باستثناء بيوت المخاطبين منها {لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ} يوحي بقرب هذه البيوت للمخاطبين، بخلاف لو جاء النهي مطلقا لدل على عمومه، وكذلك لما كانت البيوت المنهي عن دخولها غير محددة فهي تختلف من رجل إلى آخر كل حسب محرميّته، جاءت نكرة {بُيُوتًا}، ولو كان المراد هو جميع البيوت لجاءت معرّفة بأل كأن يقول (لا تدخلوا البيوت غير بيوتكم) أو لعُرّفت بالإضافة (بيوت غيركم).
(٢) صحيح البخاري ٥/ ٢٠٠٥٤ (٤٩٣٤) صحيح مسلم ٤/ ١٧١١ (٢١٧٢).
(٣) وهو مغاير للاستئذان العام الذي شُرع مقرونا بضرب الحجاب ومنع دخول الرجال على النساء في سورة الأحزاب {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ} الأحزاب: ٥٣ وجاء بيانه في السُّنة: عن ربعي قال حدثنا رجل من بني عامر أنه استأذن على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في بيت فقال: أألج، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - للجارية" اخرجي فقولي له: قل السلام عليكم أأدخل، فإنه لم يحسن الاستئذان". سنن أبي داود ٤/ ٣٤٥ (٥١٧٧) صححه الألباني في صحيح الجامع. حديث رقم (٤٣٩٧).
وجاء عن كلدة بن حنبل أن صفوان بن أمية بعثه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - والنبي - صلى الله عليه وسلم - بأعلى الوادي قال فدخلت عليه ولم أسلم ولم استأذن فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ارجع فقل السلام عليكم أأدخل. سنن أبي داود ٤/ ٣٤٤ (٥١٧٦) جامع الترمذي ٥/ ٦٤ (٢٧١٠) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٤/ ٣٤٤.
كما يتبين من هذه الأحاديث أن المشروع في الاستئذان العام؛ تقديم التسليم على الاستئذان كما روي عن أبي هريرة فيمن يستأذن قبل أن يسلم قال: "لا يؤذن له حتى يبدأ بالسلام"، أما في هذه الآية فالاستئناس مقدم على التسليم فقال تعالى {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} قال الحكيم الترمذي في نوادر الأصول في أحاديث الرسول (٣/ ٩٠): فالاستئناس التنبيه ثم يكون بعده التسليم.
(٤) قال بعض المفسرين" تستأنسوا" هو خطأ ووهم من الكاتب وأن الصحيح" تستأذنوا" مستشهدين على ذلك بقول لابن عباس! وقد أنكر عليهم هذا القول القرطبي وابن كثير وقال أبو حيان: من روى عن ابن عباس أنه قال ذلك فهو طاعن في الإسلام ملحد في الدين وابن عباس بريء من ذلك القول.
(٥) تفسير الطبري (٨/ ١١١) من عدة طرق، تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٦٦ (١٤٣٤٦)

<<  <   >  >>