للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يَأْخُذُ الْمَلِكُ الَّذِي يُوحِي إِلَى خَاتَمِ الرُّسُلِ، فَإِنَّ خَاتَمَ الرُّسُلِ إِنَّمَا هُوَ سَيِّدٌ فِي الشَّفَاعَةِ، فَسِيَادَتُهُ فِي هَذَا الْمَقَامِ الْخَاصِّ لَا عَلَى الْعُمُومِ، قَالَ هَؤُلَاءِ: وَلَيْسَ هَذَا الْعِلْمُ إِلَّا لِخَاتَمِ الرُّسُلِ وَخَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ، وَمَا يَرَاهُ أَحَدٌ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ إِلَّا مِنْ مِشْكَاةِ الْوَلِيِّ الْخَاتَمِ، حَتَّى أَنَّ الرُّسُلَ لَا يَرَوْنَهُ مَتَى رَأَوْهُ إِلَّا مِنْ مِشْكَاةِ خَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ، فَإِنَّ الرِّسَالَةَ وَالنُّبُوَّةَ - أَعْنِي نُبُوَّةَ التَّشْرِيعِ وَرِسَالَتَهُ - يَنْقَطِعَانِ، وَالْوِلَايَةُ لَا تَنْقَطِعُ أَبَدًا، فَالْمُرْسَلُونَ مِنْ (حَيْثُ) كَوْنُهُمْ أَوْلِيَاءَ لَا يَرَوْنَ مَا ذَكَرْنَاهُ - يَعْنِي مِنَ الْحَقِيقَةِ وَالْعِلْمِ بِاللَّهِ وَمَعْرِفَتِهِ - إِلَّا مِنْ مِشْكَاةِ خَاتَمِ الْأَوْلِيَاءِ، فَكَيْفَ مَنْ دُونَهُمْ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ؟ وَإِنْ كَانَ خَاتَمُ الْأَوْلِيَاءِ تَابِعًا فِي الْحُكْمِ لِمَا جَاءَ بِهِ خَاتَمُ الرُّسُلِ مِنَ التَّشْرِيعِ فَذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي مَقَامِهِ، وَلَا يُنَاقِضُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ فِيمَا يَزْعُمُونَ، قَالُوا: فَإِنَّهُ مِنْ وَجْهٍ يَكُونُ أَنْزَلَ كَمَا أَنَّهُ مِنْ وَجْهٍ يَكُونُ أَعْلَى.

وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ عَنْهُمْ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ التُّرَّهَاتِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً يَنْبُو عَنْهَا السَّمْعُ، وَنَاقَشَهُمْ عَلَيْهَا مُنَاقَشَةً تَامَّةً، وَلَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ أَنَّ أَفْضَلَ الْخَلْقِ الرُّسُلُ، فَالْأَنْبِيَاءُ، فَالصَّحَابَةُ، فَالْأَوْلِيَاءُ، وَإِنْ دَخَلَ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ فِي الْجُمْلَةِ. وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ.

[فَصْلٌ فيما يجب وما يستحيل في حق الأنبياء]

((فَصْلٌ)) فِيمَا يَجِبُ لِلْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمُ السَّلَامُ - وَمَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ وَمَا يَسْتَحِيلُ فِي حَقِّهِمْ))

قَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ شُرُوطُ مَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ بِالنُّبُوَّةِ مِنَ الذُّكُورَةِ، وَالْحُرِّيَّةِ، وَالْقُوَّةِ عَلَى أَعْبَاءِ مَا حَمَلُوهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَذَكَرَ هُنَا مَا يَجِبُ اعْتِقَادُهُ فِي حَقِّهِمْ:

((وَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَلِمْ ... مِنْ كُلِّ مَا نَقْصٍ وَمِنْ كُفْرٍ عُصِمْ))

((كَذَاكَ مِنْ إِفْكٍ وَمِنْ خِيَانَهْ ... لِوَصْفِهِمْ بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَهْ))

((وَ)) هُوَ أَنْ يَعْرِفَ كُلُّ مُسْلِمٍ ((أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ)) أَيِ الْأَنْبِيَاءِ الْكِرَامِ وَالرُّسُلِ الْعِظَامِ، ((سَلِمَ)) وَتَنَزَّهَ، ((مِنْ كُلِّ مَا)) زَائِدَةٌ لِإِقَامَةِ الْوَزْنِ وَمَزِيدِ التَّأْكِيدِ عَمَّا سَلِمُوا مِنْهُ وَنُزِّهُوا عَنْهُ، ((نَقْصٍ)) يُؤَدِّي إِلَى إِزَالَةِ الْحِشْمَةِ وَإِسْقَاطِ الْمُرُوءَةِ، وَأَلْحَقَتْ بِفَاعِلِهَا الْإِزْرَاءَ وَالْخِسَّةَ كَسَرِقَةِ لُقْمَةٍ وَتَطْفِيفٍ بِحَبَّةٍ، لِقِيَامِ الْإِجْمَاعِ عَلَى عِصْمَتِهِمْ مِنْ كُلِّ مَا يُؤَدِّي إِلَى الْإِزْرَاءِ وَالدَّنَاءَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: ٢١] وَقَالَ:

<<  <  ج: ص:  >  >>