للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ليس من السهل على الدارس المحقق أن يأخذ كتابة السيد فتحي الديب على أنها حقيقة تاريخية مسلم بها كتلك التي يرويها الثقاة الذين يتولون بأنفسهم إخضاع المعلومات إلى المقاييس والمعايير المعروفة لجمهور المؤرخين.

وعلى الرغم من أن "عبد الناصر والثورة الجزائرية" صدر عن دار المستقبل العربي سنة ١٩٨٤ ونشر أيضاً مترجماً إلى اللغة الفرنسية، وأن السيد بن بلة لم يعارض، قولاً أو كتابة، ما جاء في الكتاب من المعلومات منسوبة إليه حول المؤتمر، فإننا نعتبر أن الفصل الرابع عشر كله مغلوط ولا يمكن اعتماده في تقييم نتائج أشغال وادي الصومام.

إن حكمنا بهذه القسوة على هذا الفصل مستخلص خاصة من النقطة العاشرة التي توهم القارئ الخالي الذهن بأن مرحلة الصراع الداخلي والتصفية الجسدية المذكورين من بين الأسباب التي اعتمد عليها السيد أحمد بن بلة لإصدار حكمه الآنف الذكر قد بدأت فعلاً وأن "أول ضحاياها هو المناضل القائد البطل مصطفى بن بو لعيد .. ولحق به المناضل الجسور والوطني المخلص يوسف زيغود قائد ولاية شمال قسنطينة الذي صاحبت ظروف وقوعه في كمين أعده الفرنسيون له بعد خروجه من مخبئه علامات استفهام تشير بإصبع الاتهام بالخيانة والغدر إلى مساعديه في القيادة إبراهيم مزهودي وعلى كافي" (١).

إن هذين الخبرين لا أساس لهما من الصحة: أولاً لأن الشهيد مصطفى بن بولعيد لم يكن من المعارضين لقرارات مؤتمر وادي الصومام لسبب واضح وبسيط يتمثل في كونه استشهد قبل انعقاد المؤتمر بحوالي خمسة أشهر. أما يوسف زيغود فإن استشهاده كان في نهاية الأسبوع الأخير من شهر سبتمبر في حين أن الذيب يذكر أنه تلقى الخبرين في نهاية الأسبوع الثاني من شهر سبتمبر سنة ١٩٥٦. وبالإضافة إلى ذلك فإن السيدين على كافي وإبراهيم مزهودي كانا من أكثر القادة ارتباطاً بالشهيد، بل إن مزهودي، عندما وقع الاستشهاد، كان قد وصل إلى الحدود التونسية في إطار تنفيذ مقررات المؤتمر.

وإن الرجوع إلى المصادر الحية واستنطاق الوثائق المتوفرة للباحثين يدلان، بما لامجال للشك فيه، على أن جل المعارضين لنتائج المؤتمر لم يفعلوا ذلك من منطلقات أيديولوجية لكنهم كانوا، فقط، مدفوعين بأغراض شخصية بعضها يتعلق بالجري وراء السلطة وبعضها الآخر ناتج عن الانحياز لأشخاص دون التمعن في الموضوع.


(١) نفس المصدر، ص٢٤٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>