للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ويعتبر هذا الاهتمام البالغ الذي أولاه المؤتمر للجماهير الشعبية دليلاً على التحول الجذري الذي حدث في إيديولوجية الثورة التي كانت تعتمد على الطليعة لتحقيق الأهداف المرسومة فصارت تركز على الشعب وتثق على إحداث المعجزة التي لم تكن في الحسبان. ويبدو أن هذا التحول قد بدأ يفرض نفسه مع انتفاضة العشرين من شهر أغسطس سنة خمس وخمسين وتسعمائة وألف. ففي ذلك التاريخ حدث انقلاب لا مثيل له في موازين القوى إذ تخلص جيش التحرير الوطني الفتي من عقد الخوف التي كانت تفرض عليه التحرك ليلاً والنشاط خفية فصار أفراده ينتقلون في وضح النهار بينما انتقل الرعب إلى نفوس الأجناد الفرنسيين الذين أصبحوا، بفعل دعاية الكولون، يرون في كل واحد من الجزائريين مجاهداً أو مناضلاً مستعداً للانقضاض عليهم.

ولم يكن ذلك هو التحول الوحيد الذي عرفته إيديولوجية الثورة الجزائرية، بل هناك نقاط أخرى اختلفت حولها الآراء كثيراً واشتد فيها إلا عن طريق التصويت بأغلبية الثلثين. ومن بين تلك النقاط الحساسة التي سيكون لها أثر بالغ على سير أحداث الثورة ما يلي:

١ - هيئات قيادة الثورة:

لقد كانت الحاجة الماسة إلى قيادة واحدة وموحدة للثورة الجزائرية هي الدافع الأول الذي جعل المنطقة الثانية تسعى، منذ شهر مارس عام ست وخمسين وتسعمئة وألف (١)، إلى جمع مؤتمر وطني يضم الإطارات القيادية في داخل البلاد وخارجها (٢). لكن ذلك لم يمنع المؤتمرين من التوقف طويلاً عند مناقشة هذه النقطة. وعلى الرغم من أن محضر الجلسات لم ينشر كاملاً إلى يومنا هذا حتى يطلع الباحث على حقيقة مادار من حوار يقال أنه كان صريحاً إلى أبعد الحدود وعنيفاً إلى درجة التهديد بتفجير المؤتمر، إلا أن الشهادات التي أدليت خاصة بمناسبة انعقاد ندوة التاريخ الخاصة بالولاية الثانية في اليومين الأخيرين من شهر جانفي سنة خمس وثمانين وتسعمائة وألف كافية لأخذ صورة مجملة عن المداولات التي جرت يومها فتصريحات السيد لخضر بن


(١) لقاء أجريته مع العقيد لخضر بن طوبال في بيته يوم ١٦/ ٠٤/١٩٨٥ بحضور السيد محمد الصالح بوسلامة.
(٢) شهادة خاصة قدمها لي العقيد بن طوبال الذي يجزم أن الشهيد يوسف زيغود يوسف بذل كل مافي وسعه ليجمع مختلف المناطق من أجل تقييم المرحلة المقطوعة والتخطيط للمستقبل، وقد ظل يسعى إلى أن أظهرت نفس الفكرة عند الشهيد العربي بن المهيدي وتباعاً الشهيد رمضان عبان.

<<  <  ج: ص:  >  >>