للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ

[تقديم]

قال أبو حاتم الرازي المتوفى سنة ٢٧٧هـ: "إذا كتبت فقمش، وإذ حدثت ففتش". وعندما نرجع إلى طرق البحث المعاصرة نستسمحه لإضافة "وإذا ألفت فهمش". لأن الخائض في علم التاريخ مطالب أكثر من غيره بتقديم الدليل القاطع على صحة ما يورده من معلومات، والإتيان بالحجة الدامغة لتبرير ما يطرحه من أفكار وآراء وما ينشره من قضايا أساسية حول موضوعات قد تتعدد فيها الروايات وتتكاثر الأقلام لقرع أبوابها بحثاً عن الحقيقة أو عملاً على تغييبها لسبب من الأسباب وما أكثرها كما سنرى فيما بعد.

وإذا كان التاريخ علماً في تحريه الحقيقة والعمل على تسليط الأضواء عليها وتقديمها، كما هي، فإن الباحث في هذا العلم، مطالب، إضافة إلى تمكنه من العلوم الموصلة، بإعطاء قيمة بالغة الأهمية للأصول التي هي صلته الوحيدة بالموضوع المزمع دراسته والتي هي جميع الآثار التي خلفتها عقول السلف أو أيديهم، وإذا ضاعت ضاع التاريخ معها وفقاً لنص القاعدة العامة.

وفي أثناء الاهتمام بتلك الأصول وهو ما يسميه المؤرخون بمرحلة التقميش، فإن الباحث لا يمكنه إلا أن يستفيد من الاسترشاد بما جاء في مقدمة المقدمة حيث يؤكد مؤسس علم التاريخ وموجد علم الاجتماع إن الكتابة في التاريخ تحتاج إلى "مآخذ متعددة ومعارف متنوعة وحسن نظر وتثبيت يفضيان بصاحبهما إلى الحق وينكبان به عن المزلات والمغالط، لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق، وكثيراً ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثاً أو سميناً، ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء

<<  <  ج: ص:  >  >>