تأولنا عليهم نسبونا إلى الغدر، وهم جاهلون بسر هذا الأمر. ونحن نجريهم على ظاهر الأمان، ولا نتركهم يرمون أهل الإيمان بنكث الإيمان، بل يتحدثون بما أفضناه من الإحسان.
فتركوا ما ثقل وحملوا ما عز وخف، ونفضوا من تراب تراثهم وقمامة قمامتهم الكف. وانتقل معظمهم إلى صور. وكتفوا بالديجور، وبقي منهم زهاء خمسة عشر ألفا امتنعوا من مشروع الحق، فاختصوا بمشروط الرق. فأما الرجال وكانوا في تقدير سبعة آلاف فإنهم ألفوا ذلا لم يكونوا له بألاف. فاقتسمتهم أيدي السبي أيدي سبا، وتفرق الغانمون بجمعهم في الوهاد والربا. وأحصيت النساء والصبيان ثمانية آلاف نسمة، عادت بيننا مقتسمة، وأصبحت ببكائها وجوه الدولة مبتسمة.
ولما تقدس القدس من رجس الفرنج أهل الرجز؛ وخلع لباس الذل ولبس خلع العز؛ أبي النصارى بعد أداء القطيعة أن يخرجوا، وتضرعوا في أن يسكنوا ولا يزعجوا. وبذلوا خدما وخدموا ببذول، وقابلوا كل ما ألزموا به بالتزام وقبول.
وأعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وشحت أفواههم بما شجاهم فزاد شجاهم وهم فارغون. ودخلوا في الذمة، وخرجوا إلى العصمة، وشغلوا بالخدمة، واستعملوا في المهنة، وعدوا المجنة في تلك المحنة.
[ذكر ما أظهره السلطان في القدس من الحسنات ومحاه من السيئات]
ولما تسلم السلطان القدس أمر بإظهار المحراب. وحتم به أمر الإيجاب. وكان الداوية قد بنوا في وجهه جدارا وتركوه للغلة هريا، وقيل كانوا اتخذوه مستراحا عدوانا وبغيا. وكانوا قد بنوا من غربي القبلة دارا وسيعة، وكنيسة رفيعة. فأوعز برفع ذلك الحجاب، وكشف النقاب، عن عروس المحراب. وهدم ما قدامه من الابنية، وتنظيف ما حوله من الأفنية. بحيث يجتمع الناس في الجمعة في العرصة المتسعة.