للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الحج فيه مما يهدد رواج بضائعهم ويوقف إقبال الناس على مشترياتهم، فابتدعوا حرمة العمرة في الأشهر المذكورة ليضمنوا معاودة الناس للزيارة والعمرة فتنشط الحركة التجارية في أسواقهم، وهو ما أدى مع الزمن إلى ترسيخ الحرمة في قلوب العرب حتى فوجئ نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - بكراهة الكثير من أصحابه لها في هذا الوقت بالذات بالرغم من أنه - صلى الله عليه وسلم - ترك لهم القرار في اختيار صور الإحرام التي يهلّون بها، فأذن بالإهلال بالعمرة، كما أذن بالإهلال بالحج، كما أذن لمن جمع في إهلاله في أشهر الحج بهما جميعاً، ولا أدلّ على هذا من حديث سيدتنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

رواسب الجاهلية هذه عالجتها الحكمة النبوية بشتى الوسائل التربوية التي تستأصل بخبرة المربي قناعة فاسدة دون أن تقيم في نفس صاحبها اضطراباً يدفعه إلى خطأ أكبر منه.

البداية كانت من الذي ذكرت لك، فأول ما هزّ به النبي - صلى الله عليه وسلم - المتأثرين ببعض أتربة الماضي المتراكمة تلك الإباحة التي أجاز بها إحرام المحرم بما شاء في أشهر الحج سواء أتى بالحج مفرداً أو قرنه بالعمرة التي أحرم بها معه، أو اقتصر فيها على العمرة وحدها.

الخطوة التالية كانت في ذي الحليفة من وادي العقيق ويومها قال - صلى الله عليه وسلم - إنّ جبريل - عليه السلام - قال له: "صلّ في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة" (١).

ولمّا لم تقف المسألة عند هذا الحد ولمّا لم يكف لها ما وضعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جُرعة فقد انتقلت بنا حكمة نبينا صلوات الله وسلامه عليه إلى مرحلة متقدمة من العلاج النافع


(١) اُنظر صحيح مسلم بشرح النووي ٨/ ٣٠٣ وانظر صحيح البخاري برقم (١٤٦١) وتتمته أن عمر - رضي الله عنه - قال سمعت النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بوادي العقيق يقول: "أتاني الليلة آت من ربي فقال صلِّ في هذا الوادي المبارك ... ".

<<  <   >  >>