للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

اضطجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى طلع الفجر، وصلى الفجر حتى تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء (١) حتى أتى المشعر الحرام، (٢) فاستقبل القبلة فدعاه وكبّره وهلّله ووحّده، فلم يزلْ واقفاً حتى أسفر جداً، (٣) فدفع قبل أن تطلع الشمس":

بعد موقف طويل رائع تمتزج فيه دموع الحب والخشية والتوبة، وتصدح معها حناجر الداعين المتضرعين سائلين المولى عفواً شاملاً، وفلاحاً كاملاً عاقدين العزم على عهد جديد مع الله في علاقة تقوم على معنى العبودية والتذلل بين يديه وصدق الالتجاء إليه، وتحرير البواعث والعواطف من رق مَنْ سواه.

بعد طول قرع للأبواب، وكثير مناجاة وسؤال، وحسن طلب إلحاح يؤذن لحجاج بيت الله الحرام بالدخول إلى أرض الحرم بعد أن جمعوا دون استثناء على أبوابه واقفين في مغتسل الأمة الأعظم مغتسل عرفات الكبير وقد تطهروا فيه من رجس الخطايا والذنوب، ورانِ الغفلة والتقصير والعيوب، حيث نظفوا قلوبهم فيه للدخول على علام الغيوب في بيت العقيدة والتوحيد من بوابة الخير مزدلفة، التي أجمع الفقهاء على أنها كلها من الحرم، (٤) وهو ما تفسره هيئة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة دخوله على مزدلفة بما يتناسب مع جلال المكان، وبما يليق بتقديره لقدسيته فَشَنْقُ زمام الناقة بشدِّ رأسها إليه حتى انخفض


(١) قال الإمام النووي: "ففيه أن السنة الركوب وأنه أفضل من المشي".
(٢) قال الإمام النووي: "وأما المشعر الحرام فبفتح الميم هذا هو الصحيح وبه جاء القرآن وتظاهرت به روايات الحديث ويقال أيضا بكسر الميم والمراد به هنا قزح بضم القاف وفتح الزاي وبحاء مهملة وهو جبل معروف في المزدلفة وهذا الحديث حجة الفقهاء في أن المشعر الحرام هو قزح. وقال جماهير المفسرين وأهل السير والحديث: المشعر الحرام جميع مزدلفة".
(٣) قال الإمام النووي: "وقوله أسفر جداً الضمير في أسفر يعود إلى الفجر المذكور أولاً وقوله جداً بكسر الجيم أي إسفاراً بليغاً". نفس المرجع والجزء ص ٣٤٥.
(٤) الحج والعمرة في الفقه الإسلامي للدكتور نور الدين عتر ص ٩٦. وصحيح مسلم بشرح النووي ج ٨ ص ٣٤٣.

<<  <   >  >>