للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[٢ - أن الأولى بالقاضي المقلد اتِّباع قول الأكثر]

وتضمن أيضًا كلام ابن هبيرة: أن إجماع الأئمة الأربعة حجة، وأن الحق لا يخرج عن أقوالهم، فلا يخرج القاضي عما أجمعوا عليه (١)،

فإن اختلفوا؛ فالأولى أن يَتَّبع ما عليه الأكثر، وصرَّح بأنه


(١) هذا ما قرره جماعة من العلماء، قال الزركشي: (وقد وقع الاتفاق بين المسلمين على أن الحق منحصر في هذه المذاهب، وحينئذ فلا يجوز العمل بغيرها، فلا يجوز أن يقع الاجتهاد إلا فيها) البحر المحيط ٨/ ٢٤٢.
ووافقه على ذلك جماعة من العلماء، وبالغ النفرواي وحكاه إجماعًا، ثم ذكر عن بعض المحققين من أهل مذهبه على خلافه، ونص الحنفية أن مذهبهم جواز تقليد من شاء من المجتهدين. ينظر: الفواكه الدواني ٢/ ٣٥٦، البحر الرائق ٦/ ٢٩٢.

ولابن رجب رسالة اسمها: (الرد على من خالف المذاهب الأربعة)، ظن البعض أنه يقرر فيها وجوب التزام مذهب من المذاهب، وهذا ما لم ينص عليه ابن رجب ولم يدل عليه كلامه، بل كلامه في غيره على النقيض، قال في رسالة أخرى له: (فالواجب على كل من بلغه أمر الرسول وعرفه أن يبينه للأمة وينصح لهم، ويأمرهم باتباع أمره وإن خالف ذلك رأي عظيم من الأمة، فإن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أحق أن يعظم ويقتدى به من رأي معظَّم قد خالف أمره في بعض الأشياء خطأ) ينظر: الحكم الجدير بالإذاعة ضمن مجموع رسائله ١/ ٢٤٥.
وإنما أراد ما أراده ابن هبيرة هنا وغيره من أن الحق منحصر في المذاهب الأربعة؛ لقاعدة مصلحية اقتضتها حكمة الله ولطفه؛ حفظًا للدين من إفتاء من شاء بما شاء ودعواه أن ثَّم قائلًا بما قاله من السلف، وقرَّر ابن رجب أن هذا كله إنما هو في غير من بلغ درجة الاجتهاد المطلق، وأما من بلغ تلك درجة ساغ له مخالفتهم، قال رحمه الله: (ومع هذا، فلم يزل يظهر من يدَّعى بلوغَ درجة الاجتهاد، ويتكلّم في العلم من غير تقليدٍ لأحد من هؤلاء الأئمة ولا انقياد، فمنهم من يسوغ له ذلك؛ لظهور صدقه فيما ادّعاه، ومنهم من رُدَّ عليه قوله وكُذِّب في دعواه، وأمَّا سائرُ الناس ممن لم يصل إلى هذه الدرجة فلا يسعهُ إلا تقليدُ أولئك الأئمة، والدخول فيما دخل فيه سائرُ الأمة)، ولما اعتُرض عليه بأن الفقهاء الأربعة يجوز أن يتفقوا على شيء ويكون الحق خارجًا عنهم، أجاب: بأنه قد منع منه طائفة، ثم قال: (وعلى تقدير تسليمه؛ فهذا إنَّما يقع نادرًا، ولا يطَّلع عليه إلا مجتهد وصل إلى أكثر مما وصلوا إليه، وهذا أيضًا مفقود أو نادر، وذلك المجتهدُ على تقدير وجوده: فرضُه اتباع ما ظهر له من الحق، وأما غيره ففرضُه التقليد).
فمراد ابن رجب من رسالته والله أعلم: ضبط فتوى المفتين، وسد باب التشهي فيه؛ طلبًا للرياسة وحبًّا في الاعتداد بالنفس وإقحامها في زمرة المجتهدين، لا أن اتفاق المذاهب الأربعة حجة شرعية لا يجوز للمجتهد بعدهم مخالفتها، وهذا ظاهر في كلامه لمن تأمله.
وقد خالف مذاهب الأئمة الأربعة في بعض المسائل جماعة من الأئمة المحققين المجتهدين، فقد ذكر السيوطي عن ابن حجر أنه قال في ترجمة محمد بن يوسف القونوي الحنفي: (صار له في آخر أمره اختيارات تخالف المذاهب الأربعة لما يظهر له من دليل) الرد على من أخلد إلى الأرض ص ١٠٣.
وقال ابن كثير عن شيخ الإسلام ابن تيمية: (ففي بعض الأحكام يفتي بما أدى إليه اجتهاده من موافقة أئمة المذاهب الأربعة، وفي بعضها يفتي بخلافهم وبخلاف المشهور في مذاهبهم) البداية والنهاية ١٨/ ١٢٥.
ومما ينبغي الانتباه له: أن مثل هذه الاختيارات لشيخ الإسلام هي في الغالب خلاف المشهور من مذاهبهم، وإلا فقد يكون في فقهاء المذاهب من يوافقه عليها، فإنه رحمه الله يقول عن مذهب أحمد مثلًا: (ولا يوجد قول ضعيف في الغالب إلا وفي مذهبه ما يوافق القول القوي) ينظر: مجموع الفتاوى ٢٠/ ٢٢٧.

<<  <   >  >>