للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

التقليديون. سيغدو هذا واضحا عند محاولتنا الاجابة عن هذا السؤال:

لماذا هاجر هذا العدد الكبير من المسلمين الى الحبشة؟

ان الاجابة الأولى الممكنة هى أنهم هاجروا لتحاشى القسوة والاضطهاد اللذين واجهوهما فى مكة. وهذا واضح فى خطاب عروة ورواية ابن اسحق، ورغم أن محمدا (صلّى الله عليه وسلم) فى هاتين الروايتين هو الذى اتخذ المبادأة فان المرء يكاد يفترض أن هؤلاء المسلمين الأوائل قد هاجروا فى الأساس لخوفهم من المعاناة، ولدعم هذه الاجابة يمكن أن نذكر أن ما ذكره ابن اسحق عن أوائل المسلمين الذين لم يهاجروا الى الحبشة كانوا- خلا حالتين- ينتمون انتماء فعليا- أو كحلفاء- الى عشائر: هاشم والمطلب وزهرة وتيم وعدى، وتلك كانت هى عشائر حلف الفضول (مع استبدال أسد بعدى) وكان من الظاهر أنهم هم الذين كونوا المعارضة للمجموعة المحيطة بمخزوم وعبد شمس التى فيها القوة المالية «٢٧» . فالمعارضة التى قادها ضد محمد صلّى الله عليه وسلم المنتمون لمجموعات مخزوم وعبد شمس واضطهادهم لأتباعه- أى أتباع محمد صلّى الله عليه وسلم- تمثلت فى ضغوط عليهم لنزعهم من بين عشائرهم، بل وحتى من بين أسرهم.

وعلى أية حال، ففى المجموعة المنافسة والتى تمثلها زهرة وتيم وغيرهما من المفترض أنه لم يكن هناك الشغف نفسه فى ايذاء أتباع محمد مادام يهاجم الطبقة المالية العليا التى يكرهونها بدورهم، ومن هنا لم تكن هناك الضرورة نفسها عند أفراد هذه العشائر من المسلمين فى الهجرة الى الحبشة. وبالنسبة للاستثناءين الانف اشارتنا لهما*، فان الأرقم (المخزومى) رغم أنه كان ما يزال شابا الا أن وضعه كان قويا- ربما كان زعيما لفرع فى عشيرة- لأنه كان قادرا على تقديم بيته للمسلمين ليجتمعوا فيه ونفهم من هذا أنه لم يكن يتعرض للاضطهاد كالاخرين.

وأما الاستثناء الثانى فهو أبو أحمد بن جحش (حليف عبد شمس) وكان شاعرا أعمى، وبالتالى فقد كان له وضعه الخاص، ومع هذا فان ابن


(٢٧) انظر الفصل الأول، الفقرة ٢/ ١.
* من المسلمين الذين لم يهاجروا للحبشة- (المترجم) .

<<  <   >  >>