للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فلم تكن فرحة المسلمين عامة والفقراء منهم خاصة بمجيء جعفر من الحبشة بأقل من فرحة الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم -، فقد كان جعفر - رضي الله عنه - شديد العطف والرعاية على الضعفاء والفقراء، كثير البِر بهم.

فعن أبي هريرة - رضي الله عنه - (١) قال: «وكان أخير الناس للمسكين جعفر بن أبي طالب كان ينقلب (٢) بنا فيطعمنا ما كان في بيته حتى إن كان ليخرج إلينا العكة (٣) التي ليس فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها (٤) (٥) أي أن العكة من العسل أو السمن تكون ليس فيها شيء، فيشقها حتى يلعقوا بقاياها التي فيها من شدة كرمه. وكان يعطي ما عنده، ولا يستبقي شيئاً قليلاً ولا كثيراً، ولذلك كثر مدح أبي هريرة له على وجه الخصوص؛ لأنه كان من الفقراء، ويعلم - رضي الله عنه - شدة الفقر والجوع.

وأبو هريرة - رضي الله عنه - كان متعلقاً بجعفر - رضي الله عنه - لعدة أسباب منها: أنَّه من آل بيت النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -، وهو من أوائل من هاجر في سبيل الله، ومن أصحاب السفينة والهجرتين، وهو من أصحاب الكرم؛ فقد كان يتفقد أهل الصفة دائماً، ويعطيهم


(١) أبو هريرة - رضي الله عنه - كان من أهل الصفة، ومن فقراء المسلمين الذين كانوا ليس لهم مصدر عيش ولا قوت ولا طعام إلا ما يكون من الغنائم في الجهاد، وما يكون من إكرام المسلمين وهداياهم وصدقاتهم لهم.
(٢) ينقلب: يرجع.
(٣) العكة: وعاء من جلد يجعل فيه السمن وغيره.
(٤) قال ابن حجر في فتح الباري (٧/ ٧٦) والعيني في عمدة القاري (٢٤/ ٣٤٤): (فإن قلت: بين قوله: ليس فيها شيء وبين قوله: فنلعق منافاة ظاهراً، قلت: لا منافاة، لأن معنى قوله: ليس فيها شيء، يعني يمكن إخراجه منها بغير قطعها، ومعنى قوله: فنلعق يعني بعد الشق نلعق مما يبقى في جوانبها).
(٥) انظر تخريج الحديث تحت عنوان: «الأحاديث الصحيحة في ذكر جعفر - رضي الله عنه -، حديث رقم (٨).

<<  <   >  >>