للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

تحويل القبلة أو غير ذلك، فالثابت أن السُنَّةَ رفعت بعض أحكام القرآن من ذلك وعلى سبيل المثال الحكم الوارد في قول الله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: ١٨٠]. فهذا يقرر الوصية للوالدين والأقربين ولو كانوا وارثين ولكنه تغير بالنسبة للأقارب الوارثين ولا خلاف في ذلك بين المسلمين فقد روى أصحاب السنن أن النبي - صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خطب على ناقته يوم الفتح فقال: «إِنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ».

فهذا الحديث منع الوصية للوارثين من الأقارب وهذا لا خلاف فيه، إنما الخلاف في وصف هذا الدليل الصارف للحكم الأول، الوارد في القرآن الكريم، فالأحناف يقولون إنه كلام مستقل منفصل عن النص العام القطعي فيقوى على نسخه، فيكون حكم الحديث ناسخًا لحكم الوصية للوارثين من الأقارب.

بينما الشافعي والجمهور يرون أن الحديث يخصص هذه الآية ولا ينسخها.

والإمام الغزالي يقول في هذا: «وَالتَّخْصِيصُ يُرَادُ بِهِ هُنَا قَصْرَ العَامِّ عَلَى بَعْضِ آحَادِهِ بِالإِرَادَةِ الأُولَى، فَدَليلَ التَّخْصِيصِ لَيْسَ لإِخْرَاجِ مَا دَخَلَ فِي العَامِّ، بَلْ لإِرَادَةِ الخُصُوصِ فِي اللَّفْظِ العَامِّ، وَأَنَّ تَسْمِيَةَ الأَدِلَّةِ فِي هَذِهِ الحَالَةِ مُخَصَّصَةٌ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ التَّجَوُّزِ» (١).

إن المستقرئ لهذه الخلافات التي لم نتوسع فيها، يتضح له أن هذا خلاف نظري، فالجميع لا يختلف في النتيجة العملية وهو وجوب العمل بحكم الحديث


(١) " المتسصفى للغزالي ": جـ ١، نقلاً عن " مناهج الاجتهاد في الإسلام " للدكتور محمد سلام مدكور: ص ٦٦١.

<<  <   >  >>