للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

والآخرة، وليس معنى ذلك أن يكون المرء منقطعًا للعبادة، يعيش عالة على غيره، بل عليه أن يعمل في الدنيا ليستغني عن الناس ويكون عزيزًا بينهم.

قال الصنعاني (١): قوله: («أتاني جبريل فقال: يا محمد عش ما شئت»، العيش: الحياة، من: عاش يعيش عيشًا ومعيشة، والمراد بالأمر: قدِّر في نفسك أيَّ غايةٍ تريدها في الحياة، «فإنك ميت»: وإذا كان لا بد من الموت، فطويل الحياة وقصيرها سواء، كما قيل:

كلُّ عمرٍ يكون آخرَه الموتُ … سواءٌ طويلُه والقصير

وليس المراد الإخبار بأن بعد الحياة موتًا، فإنه معلوم، بل المراد الاستعداد لأخذ الزاد، والإرشاد إلى ذلك.

ثم قال: «وأحبب من شئت فإنك مفارقه»:

إرشاد إلى قطعِ العلائق عن محبةِ كلِّ من غايةُ حبِّه الفراق، ودلالة على محبة الإنسان لمن يلازمه، حيث كان في الدنيا في اليقظة والمنام والصحة والسقام، والغنى والإعدام، والشدة والرخاء، والممات والمحيا، فهو معه في لحده وقبره وحشره ونشره، وذلك مولاه الذي أوجده من العدم، وغمره بما لا يحصيه من النعم، وهو الذي ينجيه من كل كرب وهم وغم، وهو الذي يشفيه إن مسَّه السقم، كما قال الخليل : ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٧٩ - ٨٢].

ثم قال: «واعمل ما شئت»: من خير وشر، من باب قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، «فإنك ملاقيه»، أي: ملاق جزاءه إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر.


(١) ينظر: التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (١/ ٢٨٦).

<<  <   >  >>