ثم قال:«واعلم»: الأمر بهذه الصيغة، لا يأتي إلا إذا كان بعده أمر عظيم له شأن وخطر، وهو هنا قوله:«إن شرف المؤمن قيامُه بالليل»:
والشرف: بتحريك فائه وعينه العلو، وهو عند الناس معروف في شرف الدنيا، بمال أو جاء أو نسب، فأخبر ﷺ ونبه بهذه الصيغة على خطأ اعتقاد أن الشرف فيما ذكر، بل هو في قيام الليل، والمراد: شرفه عند الله فإنه الشرف الحقيقي، وقيام الليل مراد به القيام بالعبادة من تلاوة وصلاة وذكر لله.
ثم قال:«وعزه استغناؤه عن الناس»:
العز: القوة والشدة والغلبة كما في النهاية، فأخبر ﷺ أن عزَّ المؤمن غير هذا، بل هو استغناؤه وعدم إنزاله لحاجاته بالناس، ومنه استغن عمن شئت تكن نظيره، فإنه لا يستغنى عنهم إلا من كمُلت ثقته بالله تعالى).
قال الغزالي ﵀(١): (القصد بهذا تأديب النفس عن البطر والأشر والفرح بنعيم الدنيا؛ بل بكل ما يزايله بالموت؛ فإنه إذا علم أن من أحب شيئًا يلزمه فراقه ويشقى لا محالة بفراقه شَغَلَ قلبه بحب من لا يفارقه وهو ذكر الله؛ فإن ذلك يصحبه في القبر فلا يفارقه، وكل ذلك يتم بالصبر أيامًا قلائل؛ فالعمر قليل بالإضافة إلى حياة الآخرة، وعند الصباح يحمد القوم السرى؛ فلا بد لكل إنسان من مجاهدة فراق ما يحبه وما فيه فرحه من أسباب الدنيا، وذلك يختلف باختلاف الناس فمن يفرح بمال أو جاه أو بقبول في الوعظ أو بالعز في القضاء والولاية أو بكثرة الاتباع في التدريس والإفادة، يترك أولًا ما به فرحه ثم يراقب الله حتى لا يشتغل إلا بذكر الله والفكر فيه، ويكف عن شهواته ووساوسه حتى يقمعَ مادتَها ويلزم ذلك بقية العمر فليس للجهاد آخر إلا الموت.