للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

يوم طلب كفار مكة ذلك قال الله تعالى عنهم: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} ١، وبذلك أبطل الله أمنيات هؤلاء القوم وأمثالهم، ووضح لهم أن الرسالة والنبوة لا تكون لمن شاءه الناس، وإنما لمن أراده الله واختاره، ولا دخل لبشر في هذا الاختيار.

وبيَّن سبحانه في هذه الآية أيضًا أن أوضاع الناس المعيشية قسمة إلهية، تسير وفق إرادة الله وقدرته، لأسباب لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى، وليس لها ارتباط بالعظمة أو بالحقارة، وليست نتاجًا لمجرد العمل، وعلى الناس أن يعلموا أن النبوة خير ما يعطاه إنسان في الدنيا، بل هي أعظم من كل الخير إذا اجتمع، فإذا ما آتاها الله إنسانًا فإنه يعظم، ويعلو باختيار الله إياه، وقد اختار الله لرسالته الخاتمة العالمية محمدًا صلى الله عليه وسلم، وهو سبحانه {أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} ٢، ولذلك قال الله تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} ٣، ويقول سبحانه: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} ٤، وعلى ذلك فهو صلى الله عليه وسلم أعظم العرب قاطبة، وأعظم البشر أجمعين.

وإني لموقن بأن حكمة الله في اختيار رسوله محمد صلى الله عليه وسلم للرسالة لا يمكن لبشر أن يدركها إدراكًا كليًّا، وأرى في نفس الوقت أن في مقدور البشر أن يعلموا شيئًا من هذه الحكمة، وبخاصة بعد انكشاف شيء من أسرارها خلال الحركة بالرسالة والإسلام.


١ سورة الزخرف آية ٣٢.
٢ سورة الأنعام آية ١٢٤.
٣ سورة القصص آية ٦٨.
٤ سورة الحج آية ٧٥.

<<  <   >  >>