للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ويعتقدون أن لهم أن يغلو في الدين ما شاؤا، وأن من رضي عنه غفر له، ولا يبالي بما عمل من عمل، وأن محبتهم لا يضر معها ذنب، وقد كان الشيوخ العارفون ينهون عن صحبة الأشرار وأن ينقطع العبد عن الله بصحبته الأخيار، فمن صحب الأخيار بمجرد التعظيم لهم والغلو فيهم غلوًا زائدًا عن الحد، وعلق قلبه بهم فقد انقطع عن الله بهم وإنما المراد من صحبة الأخيار أن يوصلوا من صحبهم إلى الله ويسلكوا طريقه ويعلموه دينه، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحث أهله وأصحابه على التمسك بالطاعة ويقول: "اشتروا أنفسكم من الله، لا أغني عنكم من الله شيئًا" (١)، وقال لأهله: "إن أوليائي منكم المتقون يوم القيامة لا يأتي الناس بالأعمال، وتأتون بالدنيا تحملونها على رقابكم فتقولون: يا محمد، فأقول: قد بلغت" (٢) ولما سأله ربيعة الأسلمي مرافقته في الجنة قال: "فأعني على نفسك بكثرة السجود" (٣) فإنما يراد من صحبة الأخيار إصلاح الأعمال والأحوال والإقتداء بهم في ذلك، والانتقال من الغفلة إلى اليقظة، ومن البطالة إلى العمل، ومن التخليط إلى التكسب والقول والفعل إلى الورع، ومعرفة النفس آفاتها واحتقارها، فأما من صحبهم وأفتخر بصحبتهم وادعى بذلك الدعاوى العريضة، وهو مصر على غفلته وكسله وبطالته فهو منقطع عن الله من حيث ظن الوصول إليه كذلك المبالغة في تعظيم الشيوخ وتنزيلهم منزلة الأنبياء هو المنهي عنه وقد كان عمر وغيره من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم يكرهون أن يطلب منهم الدعاء، ويقولون: "أنبياء نحن؟ " ... إلى أن قال رحمه الله تعالى:


(١) أخرجه البخاري: كتاب التفسير (٦/ ١٧) ومسلم: الإيمان (١/ ١٩٢).
(٢) أخرجه بنحوه البخاري في الأدب المفرد (ص ٤٢) والحاكم (٤/ ٧٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
(٣) أخرجه مسلم: كتاب الصلاة (١/ ٣٥٣).

<<  <   >  >>