للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

١٢- إدراك أهمية العلم وقيمته في إعمار الحياة:

لا بد أن يؤمن الناشئة بأن العلم هو شعار الإسلام، وهو وسيلة الإنسان في القيام بواجبات الخلافة في الأرض. وهذه منزلة اشرأبت لها أعناق الملائكة، وتشوفت إليها نفوسهم فلم يعطوها، ومنحها الله للإنسان١.

لذلك عندما أراد الله أن يجعل الإنسان خليفة في الأرض لتنفيذ منهج الله فيها، هيأه بالعلم: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ، وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [البقرة: ٣٠-٣٣] .

وتستمر رسالة العلم السابقة من آدم عليه السلام إلى محمد عليه الصلاة والسلام، لتكون أولى كلمات الوحي عليه هي: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: ١-٥] .

وإذا كان طلب العلم -شرعيا كان أو كونيا- فريضة في التصور الإسلامي، وطالب العلم مجاهد في سبيل الله، فإن من نافلة القول: "إن التفكير في خلق الله، والتدبر في كتاب الكون المفتوح، وتتبع يد الله المبدعة، وهي تحرك هذا الكون، وتقلب صفحات هذا الكتاب.. هو عبادة لله من صميم العبادة، وذكر لله من صميم الذكر. ولو اتصلت العلوم الكونية، التي تبحث في صميم الكون، وفي نواميسه وسننه، وفي قواه ومدخراته، وفي أسراره وطاقاته.. لو اتصلت هذه العلوم بتذكر الخالق لهذا الكون وذكره، والشعور بجلاله، وفضله، لتحولت من فورها إلى عبادة لخالق هذا الكون وصلاة, ولاستقامت الحياة بهذه العلوم واتجهت إلى الله. ولكن الاتجاه المادي الكافر، يقطع ما بين الكون وخالقه، ويقطع ما بين العلوم الكونية والحقيقة الأزلية الأبدية، ومن هنا يتحول العلم -أجمل هبة من الله للإنسان- إلى لعنة تطارد الإنسان، وتحيل إلى جحيم منكر، وإلى حياة قلقة مهددة، وإلى خواء روحي يطارد الإنسان كالمارد الجبار"٢.


١ يوسف القرضاوي: الخصائص العامة للإسلام، ط٢، القاهرة، مكتبة وهبة، ١٤٠١هـ-١٩٨١م، ص٦٧.
٢ سيد قطب: في ظلال القرآن، المرجع السابق، ص١٢١٦.

<<  <   >  >>