للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ومحصول الحديث فالعمل من الرفع والنصب والجر والجزم إنما هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره. وإنما قالوا: لفظي ومعنوي لما ظهرت آثار فعل المتكلم بمضامة اللفظ للفظ أو باشتمال المعنى على اللفظ. وهذا واضح.

واعلم أن القياس اللفظي إذا تأملته لم تجده عاريًا من اشتمال المعنى عليه؛ ألا ترى أنك إذا سئلت عن "إن " من قوله ١:

ورج الفتى للخير ما إن رأيته ... على السن خيرًا لا يزال يزيد

فإنك قائل: دخلت على " ما" -وإن كانت "ما " ههنا مصدرية- لشبهها لفظًا بما النافية التي تؤكد بإن من قوله٢:

ما إن يكاد يخليهم لوجهتهم ... تخالج الأمر إن الأمر مشترك

وشبه اللفظ بينهما يصير "ما " المصدرية إلى أنها كأنها " ما " التي معناها النفي أفلا ترى أنك لو لم تجذب إحداهما إلى أنها كأنها بمعنى الأخرى لم يجز لك إلحاق "إن" بها.


١ أي المعلوط بن بدل -بزنة سبب- القريعي؛ كما ذكره السيرافي في شرح الكتاب، نقل ذلك البغدادي في شرح شواهد المغني في مبحث "إن" وفي اللسان في "أنن": "المعلوط بن بذل" وبذل محرف من بدل. وفي الحماسة أبيات على هذا الروي لرجل من قريع منها:
متى ماير الناس الغني وجاره ... فقير يقولوا عاجز وجليد
وفي الخزانة ١/ ٥٣٦ أن ابن جني في إعراب الحماسة عينه فقال: هو المعلوط بن بدل القريعي، وانظر السمط ٤٣٤ وشرح شواهد المغني البغدادي والكتاب ٢/ ٣٠٦.
٢ أي زهير من قصيدة مطلعها:
بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا ... وزودرك اشتياقا أية سلكوا
وانظر الديوان. وتخالج الأمر: اختلافهم في الرأي: يقول هذا: نصنع كذا، وذاك نصنع كذا، وقوله: إن الأمر مشترك، أي لا يجتمعون على رأي واحد: هذا له رأي، وهذا له رأي، وهذا الاختلاف يبطئ بسيرهم وارتحالهم.

<<  <  ج: ص:  >  >>