للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وخاصة تحذيرهم إياه من التقرب إلى الولاة والأمراء. فقد ذكر ابن عساكر عن أبي زرعة أنه قال: "كنا نبكر بالأسحار إلى مجلس الحديث نسمع من الشيوخ فبينما أنا يوما من الأيام قد بكرت، وكنت حدثا إذ لقيني في بعض طرق الريّ من سماه أبي، ونسيته أنا، شيخ مخضوب بالحناء فيما وقع لي فسلم علي فرددت عليه السلام، فقال لي: يا أبا زرعة سيكون لك شأن وذكر، فاحذر أن تأتي أبواب الأمراء ثم مضى الشيخ، ومضى هذا لهذا الحديث دهر وسنين كثيرة، وصرت شيخا كبيراً، ونسيت ما أوصاني به الشيخ، وكنت أزور الأمراء، وأغشى أبوابهم، فبينما أنا يوماً، وقد بكرت أطلب دار الأمير من حاجة عرضت لي إليه، فإذا أنا بذلك الشيخ الخضيب بعينه في ذلك الموضع فسلم عليّ كهيئة المغضب، وقال لي: ألم أنهك عن أبواب (١) الأمراء أن تغشاهم، ثم ولى عني، فالتفت فلم أره وكأن الأرض انشقت فابتلعته فخيل إلي أنه الخضر (٢) من وقتي فلم أزر أميراً، ولا غشيت بابه، ولا سألته حاجة حتى تكون له الحاجة فيركب إلي فربما أذنت له، وربما لم آذن له على قدر ما يتفق" (٣)، حتى إن بعضهم كره زيارة والي الري له. فقد ذكر الرافعي أن أحد طلاب العلم قال: قال لي أبو زرعة يعني الرازي: "تبلغ سلامي الشيخ الصالح إدريس الصايغ وهو من أهل أبهر يقال إنه كان سيد الأولياء في عصره قال: فلما دخلت على إدريس قال لي كلاما حاصل معناه بالعربية لا تبلغ إلي رسالة أبي زرعة. قلت: لم وأبو زرعة إمام الدنيا؟ فقال: أليس دخل عليه والي الري فصافحه. قال سعيد: وكنت أقيم بأبهر شهرين وثلاثة ثم أعود إلى أبي زرعة، فلما عدت إلى أبي زرعة قال: بلغت إدريس سلامي؟ قلت: أستعفى من ذلك. قال: ومن أين كان بلغه. فقلت: من عبد الله: فبكى أبو زرعة وقال: قل له إذا عدت إليه قد تبت على يدك فاسمع سلامي ورد علي الجواب. قال: فلما دخلت عليه قال لي: أيش خبر أبي زرعة؟ قلت: بخير


(١) كتب بالأصل بعد (أبواب) كلمة لم أهتد لمعناها وأقرب ما تكون كلمة (الدين) ولقد كان السلف الصالح يكرهون الدخول على الأمراء وأخبارهم في ذلك كثيرة مشهورة.
(٢) ذهب جمهور المحدثين والعلماء إلى القول بوفاة الخضر ولا يصح في حياته حديث واحد. انظر: المنار المنيف ص ٦٧ - ٧٦، والإصابة ج ١/ ٤٢٩ - ٤٥٢.
(٣) انظر: تاريخ دمشق لابن عساكر في ترجمة أبي زرعة.