للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بتبليغه١. وبلّغ رسالة ربه، وأنكر ما الناس عليه من الدِّيانات المتفرِّقة، والملل المتباينة المتنوِّعة، ودعاهم إلى صراط مستقيم٢، ومنهج واضح كريم، يصل سالكه إلى جنات النعيم، ويتطّهر من كلِّ خلق ذميم، وجاءهم من الآيات والأدلة القاطعة [الدالة] ٣ على صدقه وثبوت رسالته، ما أعجزهم وأفحمهم عن معارضته، ولم يبق لأحد على الله حجّة، ومع ذلك كابر من كابر وعاند من عاند، {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} ٤، ورأوا أنّ الانقياد له صلى الله عليه وسلم وترك ما هم عليه من النحل وملل، يجرُّ عليهم من مسبَّة لآبائهم وتسفيه أحلامهم، أو نقص رئاستهم، أو ذهاب مآكلهم، ما يحول بينهم وبين مقاصدهم ومآربهم، فكذلك عدلوا إلى ما اختاروه من الردّ والمكابرة والتعصُّب على باطلهم والمثابرة؛ وأكثرهم يعلمون أنه محقٌ، وأنه جاءهم بالهدى ودعا إليه، لكن في النفوس موانع، وهناك إرادات ومؤاخات ورئاسات، لا يقوم ناموسها، ولا يحصل مقصودها إلاّ بمخالفته، وترك الاستجابة له وموافقته. وهذا هو المانع في كل زمان ومكان، من متابعة الرسل وتقديم ما جاءوا به؛ ولولا ذلك ما اختلف من الناس اثنان، ولا اختصم في الإيمان بالله وإسلام الوجه له خصمان.

وما زال حاله صلى الله عليه وسلم مع الناس كذلك حتى أيّد الله دينه، ونصر رسوله صلى الله عليه وسلم بصفوة أهل الأرض وخيرهم ممن سبقت له من الله السعادة، وتأهل بسلامة صدره لمراتب الفضل والسيادة، فأسلم منهم الواحد بعد الواحد، وصار بهم على إبلاغ الرسالة معاون ومساعد، حتّى منّ الله على ذلك الحيِّ من الأنصار بما سبقت لهم به من الحسنى والسيادةِ الأقدارُ، فاستجاب لله ورسله منهم عصابة، حصل بهم من العزِّ والمنعة، ما هو عنوان التوفيق والإصابة، وصارت


١ وذلك كما أمره الله تبارك وتعالى ذلك بقوله: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الحجر: ٩٤] .
٢ في (د) : صراط مستقيم.
٣ زيادة في جميع النسخ، لا وجود لها في (أ) .
٤ سورة غافر الآية (٥) .

<<  <  ج: ص:  >  >>