للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

"أيها القصر:

أين الكوكب الزاهر الذي كان ينتقل في أبراجك؟ أين النسر الطائر الذي كان يحلق في أجوائك؟ أين الملك القادر الذي كان يسطع شمسًا في صباحك وبدرًا في مسائك؟

أين الأعلام والبنود تخفق في شرفاتك؟ والقواد والجنود تخطر في عرصاتك؟ أين الشفاه التي كانت تلثم ترابك، أو الأفواه التي كانت تقبل أعتابك؟ والرءوس التي كانت تطرق لهيبتك؟ والقلوب التي كانت تخفق لروعتك؟

أين الصوت الذي كان يجلجل فيقرع أذن الجوزاء؟، ويهدر فتلتفت عيون السماء؟ أين الفلك الذي كان يدور بالسعد والنحس، والنعيم والبؤس، والرفع والخفض والإبرام والنقض؟

أين كانت أسوارك وأبوابك، وحراسك وحجابك؟، كيف عجزت أن تمتنع على القضاء، وتصدر عن نفسك عادية البلاء:

ولم أر مثل القصر إذ ريع سريه ... وإذا ذعرت أطلاؤه وجآذره

تحمل عنه ساكنوه وهتكت ... على عجل أستاره وستائره"

وقد مرت فقرات عديدة مسجوعة من المقالات الأدبية، والعاطفية وبخاصة الحزينة كرثاثه، ورثاثه للشيخ علي يوسف.

وكان ذلك السجع غير المتكلف يزيد الكلام رونقًا، وقد مر بنا فيما مضى دفاع شوقي عن هذا النوع من السجع الذي يحل محل القافية في الشعر حيث قال: "السجع شعر العربية الثاني، وقواف مرنة ريضة خصت بها الفصحى، يستريح إليها الشاعر المطبوع، ويرسل فيها الكاتب المتفنن خياله، ويسلو بها أحيانًا عما فاته من القدرة على صياغة الشعر، وكل موضوع للشعر الرصين محل للسجع، وكل قرار لموسيقاه قرار كذلك للسجع، فإنما يوضع السجع النابغ فيما يصلح مواضع للشعر الرصين، من حكمة تخترع، أو مثل يضرب، أو وصف يساق، وربما وشيت بها لطول من رسائل الأدب الخالص، ورصعت به القصار من

<<  <   >  >>