للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[البعث]

[مدخل]

...

[البعث]

بلغ النثر في أخريات العصر العثماني الغاية في الركة والضعف، فعباراته سقيمة تتهالك عيا وسخفًا، مقيدة بقيود ثقيلة من الحلى، والزخارف المصطنعة المتكلفة، لتخفي ما وراءها من معنى غث مرذول، وفكرة تافهة ضحلة، أخذها الكاتب -عادة- ممن سبقه، بيد أنه ساقها لعجزه عن الأداء الصحيح في ذلك الثوب المهلهل الرث، وكثيرًا ما تعوزه الكلمة الفصيحة، وتغلبه العامية، والكلمات التركية، والدخيلة، فيأتي كلامه أشبه بالرموز والأحاجي.

ومن تذوق طعم الآداب، وكان على حظ يسير من اللغة نسج على أسلوب المقامة في أخريات عصر المماليك، والتزم السجع في كل ما يصطنع من كتابه، بل منهم من كان يتلاعب بالألفاظ، ويأتي بالمقامات المحرقة والمصحفة مما لا يمت للأدب من قريب أو بعيد، وقد أورد "الجبرتي" أمثلة عديدة في كتابه "عجائب الآثار في التراجم والأخبار"، ومن ذلك المقامة التصحيفية للشيخ عبد الله الإدكاوي، وقد أهدى منها نسخة للشيخ عبد الله التلباني، فرد عليه بما نصه: "عبد الله عند الله وجيه، وحبه محتم مخيم بقلوبنا تعلو بنا سماته، سما به عمله عم له التواب الثواب، ولا حرمنا ولاء حرمنا الأبهج الأنهج ... إلخ"، هذا العبث الذي لا طائل وراءه، والذي يدل على مبلغ ما وصلت إليه اللغة من الانحطاط.

وممن أثنى عليهم الجبرتي ثناء مستطابا، وعدهم من عمد الأدب في عصره مصطفى أسعد الدمياطي، وفيه يقول: "ما أفضل النبلاء وأنبل الفضلاء، بلبل دوحة الفصاحة وغريدها، من انحازت له بدائعها طريفها وتليدها"، وذكر نص مقامته التي أنشأها في مدح رضوان كتخذا عزبان، وحرى بنا أن نسوق بعض عباراتها في هذا المقام حتى ندرك إلى أي حد وصلت العبارة الأدبية قبيل النهضة، وكيف كان التخلص من هذا الركام الغريب، والقيود المرهقة شاقًا وعسيرًا.

<<  <   >  >>