للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>

[أسلوب المنفلوطي]

يقول المنفلوطي في مقدمة النظرات: "يسألني كثير من الناس كما يسألون غيري من الكتاب: كيف أكتب رسائلي؟ كأنما يريدون أن يعرفوا الطريق التي أسكلها إليها فيسلكوها معي، وخيرًا لهم ألا يفعلوا، فإني لا أحب لهم ولا لأحد من الشادين في الأدب أن يكونوا مقيدين في الكتابة بطريقتي، أو طريقة أحد من الكتاب غيري، وليعلموا -إن كانوا يعتقدون لي شيئًا من الفضل في هذا الأمر- أني ما استطعت أن أكتب لهم تلك الرسائل بهذا الأسلوب الذي يزعمون أنهم يعرفون لي الفضل فيه، إلا؛ لأني استطعت أن أتفلت من قيود التمثل والاحتذاء، وما نفعني من ذلك شيء ما نفعني ضعف ذاكرتي والتواؤها عن أن تمسك إلا قليلًا من المقروءات التي كانت تمر بي".

ويقرر المنفلوطي في هذه الفقرة أنه على الرغم من قراءته الكثيرة، فلم يحاول أن يحاكي كاتبًا بذاته، وأنه استطاع أن يتفلت من قيود التمثل والاحتذاء على حد قوله: "فلقد كنت أقرأ من منثور القول ومنظومه ما شاء الله أن أقرأ، ثم لا ألبث أن أنساه، فلا يبقى منه في ذاكرتي إلا جمال آثاره وروعة حسنه ورنة الطرب به، وما أذكر أني نظرت في شيء من ذلك لأحشو به حافظتي، أو أستعين به على تهذيب بياني".

وكأني به يعيب على هؤلاء الذين يقلدون الأقدمين في أساليبهم، وبخاصة كتاب المقامات والذين أولعوا بالسجع، والحق أن المنفلوطي استطاع أن يسلك طريقًا جديدة في التعبير الأدبي متحاشيًا قدر المستطاع تقليد سواه، وعلى الرغم من ضعف ذاكرته كما يزعم، وأنها لم تحتفظ بكثير من التعبيرات القديمة، وأنه لم يقرأ ليحشو حافظته بهذه التعبيرات حتى يستعين بها على تهذيب بيانه، فسنرى بعد قليل أن مقدارا كبيرًا من هذه المحفوظات قد جرى إلى قلمه من غير إرادة منه.

كان المنفلوطي يميل إلى الترسل، ولكنه ليس كترسل ابن خلدون، بل ذلك الترسل الأدنى الذي لا يعمد فيه إلى السجع إلا نادرًا، وبدون تكلف، ويعمد في معظم الأحيان إلى الازدواج، ومراعاة النغم والانسجام بين فواصل الجمل، وحسن انتقاء الألفاظ، متجنبًا منها الحوشى والغريب قدر المستطاع، وإن استخدم بعضه أحيانًا على سبيل بعث الكلمة وإحيائها.

ولقد عرفنا فيما مضى كيف ظل السجع متلكئًا حتى العقد الأول من القرن العشرين، ولم يكن من اليسير على أي كاتب أن يتخلص منه تخلصًا كاملًا، ولا سيما في الموضوعات الأدبية التي يختص بها، وليس السجع في مثل هذه الموضوعات بمستنكر أو مستكره، والمنفلوطي وإن مال إلى الترسل والازدواج في معظم مقالاته إلا أن ثمة موضوعات كان انفعاله فيها شديدًا، واهتمامه بها عظيمًا، فغلب عليها السجع كموضوع سقوط عبد الحميد سلطان تركيًا ذي الحول والطول والجبروت، والذي كتبه تحت عنوان "دورة الفلك"، ويقول في مستهله مخاطبًا قصر "يلدز" الذي كان مقر خليفة المسلمين بالآستانة:

<<  <   >  >>