للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[تمهيد]

كان لحملة نابليون على مصر -على الرغم من غرضها الاستعماري- أثر عميق في نهضتنا الحديثة، إذ هزت المصريين هزًا عميقًا، وأيقظتهم من سباتهم الطويل، وأطلعوا إبان مقام الفرنسيين بمصر على ألوان من الحياة وضروب من المخترعات، وأدوات حضارية، ونظم ثقافية لا عهد لهم بها، وأدركوا أن ثمة أمما أخرى تعيش وراء البحر قد حاولت جهدها تسخير قوى الطبيعة للإنسان، وانتهجت في الحياة نهجًا جديدًا يدعمه العلم والصناعة.

وقد وصف "عبد الرحمن الجبرتي" في تاريخه مبلغ الدهشة التي أبداها مثقفو المصريين من هذه المظاهر حين أتيح لهم الاطلاع عليها، كانت حملة نابليون مزودة بكل وسائل التفح والاستعمار، فصحبتها نخبة من العلماء في شتى فروع

المعرفة، وأسسوا المجمع العلمي، ومنهم من كشف أسرار اللغة الهيروغليفية عقب عثوره على حجر رشيد، وكان لديهم مطبعة عربية صغيرة.

كانت هذه الحملة أول اتصال وثيق بين مصر، وأوربا منذ عهد الحروب الصليبية، ومنذ ذلك الوقت بدأ هذا الاتصال يزداد على مر الأيام، إذ أتيح لمصر عقب خروج الجيوش الفرنسية منها أن تأخذ بأسباب النهضة عندما اختار المصريون محمد علي واليًا عليهم، وقد كان محمد علي طموحًا يعمل لنفسه قبل أن يعمل لمصر، وقد سخر كل شيء فيها لتحقيق آماله، وتشييد دولة قوية يحميها جيش منظم يسير على أحدث النظم الغربية، واتجه محمد علي نحو الغرب، وبخاصة فرنسا يستقدم الخبراء والعلماء، وأخذ يرسل البعثات

تباعًا إلى فرنسا ثم إلى الدول الغربية الأخرى، وينشئ المدارس الفنية لخدمة

الجيش، فأنشأ مدرسة الطب والهندسة والصيدلة وغيرها، كما أنشأ مطبعة بولاق التي عرفت فيما بعد باسم المطبعة

<<  <   >  >>