للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[في العراق والشام]

[السيد محمود الألوس أبو الثناء]

...

[في العراق والشام]

وقبل أن نمضي قدمًا في الكلام على تطور النثر ولا سيما في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وما دخل على أساليبه من تغيير، وعلى موضوعاته من ثراء، ذلك الثراء الذي تمثل في الموضوعات الجديدة التي طرقها فاتسع مداه ورحبت آفاقه، يجدر بنا أن نلقي نظرة عابرة على النثر في بلاد الشام والعراق في هذه الفترة التي نتحدث عنها، وسنجد أن الكتاب في أول الأمر كانوا يقلدون الحريري في مقاماته، ويجرون على أسلوبه المسجوع في كل ما يتناولون من أمور، مع التواء في العبارة وتكلف في السجع، وحشد زاخر من المحسنات، نراهم يخاطبوننا من وراء جدر سميكة، وحجب صفيقة لا نستبين منها نفسياتهم، ولا نتعرف على أحاسيسهم؛ لأن القوالب محفوظة والجمل مرصوصة، وإذا حاول أحد أن يتجنب السجع، ويترسل تهبط عبارته وتسف، وسنتخير في هذا المقام بعض الأعلام ممن يعدون نحومًا متألقة في ديارهم حينذاك، وهم ولا ريب من المتأدبين الذين أفادوا من دراستهم للأدب القديم، وحاولوا تقليد أساليبه الكتابية ولا سيما الحريري، والقاضي الفاضل وكتاب عصر المماليك.

[السيد محمود الألوس أبو الثناء]

ومن هؤلاء في العراق السيد محمود الألوسي أبو الثناء "١٨٠٢-١٨٥٤":صاحب التفسير المشهور بروح المعاني، وقد ألف في اللغة والمنطق، والتفسير ولكن الذي يعنينا أدبه، ومن آثاره في هذا الأدب مقاماته التي طبعت في كربلاء، وبعض قطع وصفية سجل فيها ما رآه من مناظر في بعض رحلاته، ولنستمع إليه يصف نثره كما قدره: "وكأني بك تجده -إن شاء الله تعالى- كتابًا تشد إليه الرواحل، وتطوى لنيل المنى من فصوله وأبوابه المنازل، حيث تضمن مباحث لطيفة، ومطالب شريفة، ورسائل تقطر ظرفًا، ومسائل ترشح لطفًا، بنثر قرب حتى أطمع، وبعد على المتناول حتى امتنع كأنه من شرخ الشباب مسروق، ومن لذة وصال الأحباب مخلوق، بل لعمري لو أن كلامًا أذيب به صخر، أو أطفئ

<<  <   >  >>