للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[نجيب حداد]

وربما كان أحسن منه قليلًا الشيخ نجيب حداد، فإنه عني كثيرًا بمعالجة مشكلات المجتمع، يسجع غالبًا ويترسل قليلًا، ولكنه في كلتا الحالتين يؤثر الأسلوب الرصين المحلى بخيال شاعر لا خيال لغوي، وتشعر أنه يفيدك حقًا بخياله هذا متعة فنية، ومعنى رائعًا: من ذلك قوله عن الفقير والغني: طقل للغني المترف السارح في مراتع نعمائه، الساحب ذيل الاعتبار على بني الإنسان نظرائه، المتقلب في أعطاف النعمة والهناء، لا يحس بما في الدهر من شقاء، الراكب الخيل الجياد تجري به عنقًا، السابح في بحار الغنى والترف يكاد يشكو فيها غرقًا، النائم على حشايا من الحرير والدمقس الناعم، المتنعم بما لديه من ملذات الحياة بين المشارب والمطاعم: قف هذا النظر الذاهب في السماء قليلًا، ومل بتلك النعمة التي تجر من فضول أثوابها ذيولًا على فقير يسأل منك رحمة، ويسترحم عنك سولًا: {وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} .

وبجانب هذا الأسلوب الذي على الرغم بما فيه من سجع، فإننا نجده مقبولًا، فله قوة في الأداء وبراعة الوصف، واستيعاب وتحليل، بجانب هذا نجد له أسلوبًا أدبيًا لا يعتمد فيه على السجع، ولكن يعتمد على انتقاء الكلمة، ودقة أدائها، وحسن جرسها وتلاؤمها مع غيرها في الجملة، مثال ذلك قوله من مقال بعنوان "الخادم والمخدوم" يقول فيه:

"متى ترى الرجل مطرقًا مهمومًا يفكر في مستقبل أيامه، وحزينًا كثيبًا يحسب لغده قبل عامه، ويحرص على صحته كما يحرص على رأسماله، إذ لا مال له سواها، وهو مع ذلك ينفقها عرقًا يسيل من ثنايا الجبين العابس، ونورًا ينبعث من حدقة تلك العين الكليلة، وفكرًا تقسم بين عمله المندوب إليه بدافع المعيشة والاحتجاج، وبين عيلته المدفوع إليها بدافع الحنو والتسخير، فقل هذا هو الخادم رب البيت، والأولاد يعمل لطعام اليوم من شغل اليوم، ويسأل السلامة للغد ليعمل في الغد، ولا أمل له من هذه الحياة الدنيا سوى مخدوم يأوي إليه، وعافية يستعين بها عليه، وصية صغار يرجو أن يقوى على قوتهم وسد حاجاتهم، قبل أن يرجو لهم بلوغ الشباب، ويؤهل منهم النفع والإسعاف.

ومتى رأيت الرجل يمشي في الأرض مرحًا، ويختال في مشيته فرحًا، ويرفع أبصاره إلى العلا كبرا، قبل أن يرفعها لله شكرًا، ويدخل إلى حانوته آمرًا ناهيًا، يسخط على خادم لا يرضيه، أو يتظاهر بالغضب عليه لكي لا يطمع فيه،

<<  <   >  >>