للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

قال مصطفى الدمياطي بعد أن بسمل، وحمدل، وحوقل: "حكى البديع بشير بن سعيد قال: حدثني الربيع بن رشيد قال: هاجت لي دواعي الأشواق العذرية، وعاجت بي لواعج الأتواق الفكرية، إلى ورود حمى مصر المعزية البديعة، ذات المشاهدات الحسنة والمعاهد الرفيعة، لأشرح بمتن حديثها الحسن صدري، أروح بحواشي نيلها الجاري روحي وسري، وأقتبس نور مصباح الطرف من ظرفائها، وأقتطف نور أرواح الظروف من لطفائها، وأستجلي عرائس بدائع معاني العلوم، على منصات الفكر محلاة بالمنثور والمنظوم، وأستمد من حماتها السادة أسرار العناية، وأسترشد بسراتها القادة أنوار الهداية ... إلخ".

فأنت ترى في لجملة الأولى والثانية: الجناس غير التام بين هاجت وعاجت، وبي ولى، والأشواق والأنواق، ولماء جاء بكلمة أشرح ذكرته الحواشي، وهكذا نجد كلامًا متكلفًا مصنوعًا، لا يفضي إلى غاية ولا ينبئ عن فكرة سليمة، وإنما هو لإظهار البراعة في اقتناص السجعات، وإيراد المحسنات.

وقد غلب هذا النوع من الكلام على ألسنة مدعي الأدب في مصر والشام والعراق، وهي البلاد التي بقي فيها ذماء يسير من العلم، وذبالة ضئيلة من املعرفة والأدب، وإن كادت "العربية" فيها تلفظ أنفاسها لغلبة التركية عليها، ولتفشي الجهل، واستعجام الحكام، وتراكمت ظلمات الاستعمار فوق هذه البلاد جميعًا، ومن الذين اشتهروا بالأدب في دمشق قبل النهضة محمد خليل الدمشقي، وهناك نبذة من رسالة كتبها إلى صديق له بمصر: "أهدي السلام العاطر الذي هو كنفح الروض باكره السحاب الماطر، والتحايا المتأرجة النفحات الساطعة اللمحات، الشامخة الشميم، الناشئة من خالص صميم، وأبدي الشوق الكامن وأبثه، وأسوق ركب الغرام وأحثه، إلى الحضرة التي هي مهب نسائم العرفان والتحقيق، ومصب مزن الإتقان والتدقيق، ومطلع شمس الإفادة والتحرير، ومنبع مياه البلاغة والتقرير ... إلخ".

وهي عبارات غنية عن التعليق، وإذا كان بها رائحة من قوة فهي تقليد واغتصاب لكلام من سبقه من الكتاب، ولكنك ترى فيها مع هذا الافعتال التكلف واضحًا، والمعنى ضحلًا سخيفًا.

<<  <   >  >>