للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فأما إذا لم تكن عبارة الإمام صريحة، وليس في كلامه قرينة على أن مراده التقديم في الثقة والضبط، مثل أن يقول: أعجب إلي، أو أحب إلي، ونحو ذلك، فعلى الباحث حينئذ أن يبحث عن مفسر خارجي، كأن يقف على رواية أخرى للناقد تفسر مراده، أو يقف على كلام ناقد آخر يعين على تفسير المراد.

وإذا لم يقف على شيء من ذلك فالذي يظهر لي أنه لا بأس بأن يحمل الباحث عبارة الناقد على التقديم في الضبط والتثبت، إذ الأصل في السؤال والجواب عن الرواة أن يكون في ضبطهم وتثبتهم، فيبقى في هذا الأصل حتى يدل دليل على أن مراد الناقد خلافه.

ومن جهة ثانية فإن معرفة اهتمام النقاد بجهات مختلفة عند المفاضلة بين الرواة يساعد كثيرا في إزالة التعارض الذي يبدو من الروايات المختلفة عن الناقد، أو عن الناقد مع غيره من النقاد، في الموازنة بين بعض الرواة، فكلامهم متفق في الغالب، وما يبدو من تعارض يمكن حمله في كثير من الأحيان على اختلاف جهات التقديم.

مثال ذلك: قول ابن المبارك: "كان شَرِيْك أحفظ لحديث الكوفيين من سفيان -يعني الثوري" (١)، وفي رواية: "أعلم بحديث الكوفة من سفيان" (٢).

فهذه العبارة ظاهرها يعارض ما اشتهر عن الأئمة من تقديم الثوري على غيره من الحفاظ الكبار، فضلا عن شَرِيْك ونحوه، كما تقدم في القسم الأول: المقارنة المطلقة بين الرواة، ويمكن تفسيرها بما قاله ابن معين في جوابه على سؤال يزيد بن الهيثم الدقاق، قال يزيد: "قلت


(١) "تاريخ بغداد"٩: ٣٨٢.
(٢) "تاريخ بغداد"٩: ٣٨١.

<<  <   >  >>