للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

يُفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعاً، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر،

بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا كان النبي يتألف قوماً ويهجر آخرين ... وإذا عرف هذا فالهجرة هي من الأعمال التي أمر الله بها ورسوله، فالطاعة لابد أن تكون خالصة لله وأن تكون موافقة لأمره فتكون خالصة لله صواباً، فمن هجر لهوى نفسه أو هجر هجراً غير مأمور به، كان خارجاً عن هذا، وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانة أنها تفعله طاعة لله ... " (١).

وقد نقل ابن حجر رحمه الله أقوال الأئمة في هذه المسألة عند تبويب البخاري (باب من لم يُسلم على من اقترف ذنباً)، فقال: "وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يسلم على الفاسق ولا المبتدع، قال النووي: فإن اضطر إلى السلام بأن خاف ترتب مفسدة في دين أو دنيا إن لم يسلم سلم، وكذا قال ابن العربي وزاد: وينوي أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، فكأنه قال: الله رقيب عليكم، وقال المهلب ترك السلام على أهل المعاصي سنة ماضية وبه قال كثير من أهل العلم في أهل البدع، ... وحكى ابن رشد قال: قال مالك: لا يسلم على أهل الأهواء، قال ابن دقيق العيد: ويكون ذلك على سبيل التأديب لهم والتبري منهم" (٢).

وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري رحمه الله هذا المنهج في التعامل مع أهل البدع في أكثر من موضع؛ فمن ذلك قوله عند الحديث الوارد في النهي عن التهاجر والتشاجر: "يشترط في هذه الهجرة أن تكون في غير ذات الله تعالى، كمن هجر مسلماً غير مبتدع، بل لحظ النفس، فذلك الذي لا يجوز هجره أكثر من ثلاثة أيام، وهو الذي يُحبس عن دخول الجنة؛ وأما إن كان الهجر لبدعة، فهو مندوب إليه، ويثاب المسلم عليه، ولا يجوز أن يُسَلَّم عليه ما دام على بدعته، لأنه ورد أن: من سلَّم على صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام" (٣).


(١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٢٠٣ - ٢٠٧).
(٢) فتح الباري (١١/ ٤٠).
(٣) الأربعون الصحيحة، ص ٧١.

<<  <   >  >>