للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

"إنها كانت مُلْبَسة الحيطان بالوشي المنسوج بالذهب، وإنه رآه يجلس على سرير مرصع بالجواهر، وعليه ثياب منسوجة بالذهب، وإلى جانبه فريدة تغنيه وعليها مثل ثيابه"١.

وكانت دور كثير من الوزراء لا تقل عن دور الخلفاء أناقة مثل دور البرامكة وبني سهل، وكذلك كانت دور الأمراء والأشراف والموظفين الكبار؛ ممن كانت تغدق عليهم الدولة. وعلي نحو ما تأنقوا في قصورهم وفُرشهم تأنقوا في أطعمتهم؛ فاحتفلوا بموائدهم، ويعرض علينا الجاحظ في كتابه البخلاء أطرافًا من مآكلهم ومشاربهم، كما يعرض علينا ذلك أبو الفرج الأصبهاني في كتابه الأغاني، وقد عرفوا آنية الصيني المنقوشة، ومر بنا وصف أبي نواس لكأس مذهبة، نقش عليها منظر صيد لكسرى وفوارسه. ولم يكن تأنقهم في ثيابهم أقل من تأنقهم في طعامهم وشرابهم، وكان لكل طائفة زيّ. فللقضاة زيّ ولأصحابهم زيّ وللشُّرط زي وللكتَّاب زيّ٢. وبالغ النساء في أزيائهن وفي زينتهن وخاصة الجواري من فارسيات وروميات؛ فكن يصبغن شفاههن وخدودهن، ويُسْدِلن شعورهن على وجوههن بصور مختلفة، تثير الإغراء والفتنة.

ولم يكن الشعراء يعيشون بعيدًا عن هذا الجو من التصنيع والزخرف والزينة؛ فقد كانوا ينادمون الخلفاء والوزراء وكبار رجال الدولة ويختلطون بالجواري والإماء، وانصبَّ في حجورهم كثير من الأموال التي جعلتهم يعيشون في ترف ونعيم بالغ، بل يحققون كل ما يريدون من تصنيع وتنميق في حياتهم. وفي أخبارهم ما يدل على الأموال الطائلة التي كانوا يحصلون عليها، يقول ابن رشيق: "وأما المجددون في التكسب بالشعر والحظوة عند الملوك؛ فمنهم: سلم الخاسر، مات عن مائة ألف دينار ولم يترك وارثًا، وقال فيه أبو العتاهية:

تعال له يا سلم بن عمرو ... أذلَّ الحِرْصُ أعناقَ الرِّجالِ

وكان صديقه جدًّا؛ فقال سلم: ويلي جمع القناطير من الذهب ونسبني إلى ما ترون من الحرص. ومروان بن أبي حفصة أعطى مائة ألف دينار غير


١ أغاني "طبعة دار الكتب" ٤/ ١١٦.
٢ البيان والتَّبَيُّن٣/ ١١٤.

<<  <   >  >>