للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

بشيء من الفلسفة والمنطق إلا في الحدود الساذجة، أما لو أنه كان في عصر البحتري لما رضي لنفسه أن ينفصل عن عصره وأن يقيم حواجز وحدودًا بينه وبين الثقافة الحديثة. ونفس البحتري يناقض هذا الرأي في عمله؛ إذ يحاول استيعاب الوسائل الحديثة في صناعته من الطباق والجناس والتصوير؛ إلا أنه لا يستطيع أن يستخدم الأداة العقلية الخالصة، أداة المنطق والفلسفة؛ لأنه ليس من أهل المنطق ولا من أهل الفلسفة، وهو بذلك ينحاز عن شعراء عصره؛ ويقول النقاد إنه لم يفارق عمود الشعر، فلم تكن هناك ثقافة ولا فلسفة تضطره إلى هذه المفارقة.

ودائمًا نجد شيئًا من المنطق ينقص البحتري في فنه؛ وانظر في صياغته ونقصد الصياغة الذهنية؛ فإنك تراه لا يعنى بتنسيق أفكاره وترتيب معانيه ترتيبًا منطقيًّا دقيقًا. وبونٌ بعيد جدًّا بينه وبين شاعر كأبي تمام في هذا الجانب؛ فإنك تحس عند الأخير بوحدة القصيدة واضحة كما تحس بتسلسل الأفكار، أما عند البحتري فإنك ترى دائمًا خنادق وممرات بين أبياته. وتتبع الباقلاني عنده هذه الظاهرة في قصيدته.

أهلًا بذلك الخيالِ المقبلِ ... فعل الذي نهواه أو لم يفعل

ولاحظ أن التسلسل المنطقي فيها مضطرب، وأن التفكير فيها غير منتظم١ وذكر غيره من النقاد أن البحتري لا يحسن الخروج من موضوع إلى موضوع في الشعر، وإنه يجنح دائمًا إلى ما يسميه ابن رشيق طفرًا وانقطاعًا٢.

وهذا كله جاء البحتري من أنه لم يكن متفلسفًا ولم يكن من رجال الفكر العميق؛ ولذلك لم يحسن تنسيق شعره من جهة، كما أنه لم يستطع التعديل في أدوات صناعته من جهة أخرى. وليس معنى ذلك أنه لم يكن يستخدم أدوات التصنيع؛ بل كان يستخدمها؛ ولكنها ظلت عنده كأنها من طراز مخالف لما نراه عند أبي تمام؛ فقد كان بدويًّا أعرابيًّا ولذلك ظل منحرفًا عن مذهب المصنعين، وظلت أدوات الصناعة عنده ساذجة بسيطة يستخدمها، ولكنه لا يستطيع أن


١ إعجاز القرآن ص١٠٥، ١٠٦، ١٠٨.
٢ العمدة ١/ ١٥٩.

<<  <   >  >>