للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ولهتْ فأظلمَ كلُّ شيء دونها ... وأنارَ منها كلُّ شيءٍ مظلمِ

يقول المرزوقي: "لما جزعت لفراقها اشتد جزعها علىَّ فأظلم كل شيء في عيني سواها ومن دونها، وبان لي ووضح من مكتوم أمرها ومكنون ودها لي ما كان مغيبًا عني ومظلمًا علي. ويجوز أن يكون المعنى: ارتاعت لما أحست بالفراق وتولَّهت فألقت قناعها فأظلم كل شيء دونها لسواد شعرها فأنار كل شيء مظلم من بياض وجهها، والأول أوضح وأجود"١، ويقول التبريزي: "وقد يؤدي لفظ الطائي معنى آخر وهو أن الأشياء أظلمت دونها أي غيرها. وقوله: وأنار منها كل شيء مظلم، أي: من حسنها تضيء الأشياء المظلمة"٢

وهذه الوفرة من الاحتمالات كما تأتى من دقة المعنى وبُعده تأتي أيضًا من ثقافته، ولعل ما يوضح ذلك من بعض الوجوه قوله:

طال إنكاري البياض ولو عمِّـ ... ـرت شيئًا أنكرت لونَ السوادِ

يقول المرزوقي: "يحتمل هذا البيت وجوهًا: أحدها: ما قاله الأعرابي لما استُوصف حاله؛ فقال كنت أنكر الشعرة البيضاء فقد صرت الآن أنكر الشعرة السوداء، والثاني: إن عمِّرت شيئًاأسودَّ من لوني وجلدي ما كان مبيضًا فأنكرته، وهذا كما قال العُريان بن الهيثم لما سأله عبد الملك عن حاله فقال أبيض مني ما كنت أحب أن يسود وأسودَّ مني ما كنت أحب أن يبيض ... في كلام طويل، ثم قال العريان.

وكنت شبابي أبيض اللون زاهرًا ... فصرت بُعيدَ الشيبِ أسود حالكا

والثالث: إن عمِّرت شيئًا أنست بالبياض وسكنت إليه حتى أكون منكرًا للسواد إنكاري الساعة للبياض"٣.

والحق أن شعر أبي تمام شعر شخص مثقف ثقافة واسعة ما يزال يتسرب منها ظلال من الغموض ولكنها ظلال زاهية؛ إذ كان أبو تمام يخرج ما فيها من


١ المشكل: للمرزوقي "مصورة" بمكتبة جامعة القاهرة ص٤١.
٢ التبريزي على أبي تمام ٣/ ٢٤٨.
٣ المشكل للمرزوقي ص٢١. وانظر البيان والتَّبَيُّن١/ ٣٩٩، والتبريزي ١/ ٣٦٠.

<<  <   >  >>