للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

أنا من أمةٍ تداركها اللـ ... ـهُ غريبٌ كصالحِ في ثمودِ

فهو لم يتنبأ؛ وإنما خلع عليه اللقب لتشبهه بالأنبياء في هذين البيتين١، وربما لقب بذلك لفطنته في الشعر ونبوغه٢.

وشعره في هذه الفترة الأولى من حياته يزهر بالفخر والاعتداد بالنفس اعتدادًا مفرطًا؛ فهو يرفع نفسه على الناس من حوله ويزدريهم ويحقد عليهم حقدًا شديدًا، بل إنه ليحقد على الزمن، وتتسع المبالغة عنده، ونظن ظنًّا أنها جاءته من عقائد الشيعة في أئمتهم وما كانوا يخلعونه عليهم من صفات إلهية، وقد تحول بها إلى فخره وحديثه عن نفسه، ومديحه وحديثه عن غيره، وكأنه يظن ممدوحيه أنصاف آلهة.

ويخرج من السجن وقد آمن بأن سلطانه الذي ينبغي أن يفرضه على الناس هو الشعر؛ فعاد إليه، وتجول في بلاد الشام يمدح الولاة والعمال، وسرعان ما تعرف على بدر بن عمار والي دمشق، ووجد عنده ما كان يأمله من عطاء، كما وجد فيه الأمير العربي الذي يبحث عنه، فخصه بخير مدائحه في تلك الحقبة. ومدح كثيرين غيره ونال جوائزهم، وشعره في هذه الفترة كسابقتها يملؤه بالمبالغة والفخر المسرف بنفسه. والأصل أن الشاعر حين يمدح لا يفكر إلا في ممدوحيه، أما المتنبي فكانت تشغله نفسه وكان دائم الذكر لها ولم يحسه من ثورة على الناس ونظاميهم السياسي والاجتماعي. ومن ثم جعل مدائحه شركة بينه وبين ممدوحيه، وهو يضع فيها نفسه أولًا، ولعل ذلك ما جعله ينصرف غالبًا عن الغزل والنسيب يقدم بهما قصائده، فهو يعيش في نفسه، ومثله لا يحس الحب، إنما يحس آماله ومطامحه وما يجيش في صدره من ثورة على الزمن والمجتمع. وكل ذلك يضعه في مستهل قصائده مقدمة تميز بها من بين شعراء العربية. وقدمنا في غير هذا الموضع أن أبا تمام كان ينزع هذا المنزع في بعض مدائحه، ولكنه كان يخلط شكواه بالحب، أما المتنبي فجعل شكواه خاصة بنفسه وبأفكاره عن المجتمع وأخلاق الناس مضيفًا إليها ضربًا واسعًا من التشاؤم.


١ اليتيمة للثعالبي ١/ ٨.
٢ العمدة لابن رشيق ١/ ٤٥.

<<  <   >  >>