للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

((شرح القاموس)) و ((شرح الإحياء))، دليلا على ذلك، وقد عم نفعهما، ووقع إقبال العالم الإسلامي عليهما، مع تحرير وإتقان)). انتهى كلام العلامة الحجوي باختصار.

قال عبد الفتاح: هذه كلمة عجلي بشأن المكثرين من التأليف، غير محررة ولا مستوفاة، كتبها العلامة الحجوي رحمه الله تعالى، استطرادا دون تتبع واستقراء، بمناسبة ذكره: كثرة مؤلفات الإمام ابن جرير الطبري.

[مراعاة حفظ الوقت تطيل الأعمار وتكثر الآثار]

والذي دعاني إلى إيرادها بيان هذا السيل الضخم من التآليف الكثيرة المدهشة، كيف كتبت؟ ومتى جمعت؟ إنما كان ذلك كله بمراعاة الوقت وكسبه واهتباله، دون أن تضيع منه ساعة أو سويعة. وبالحفاظ على الوقت تزخر الآثار، وتطول الأعمار، ويبارك الله تعالى في الأزمان الوجيزة والأعمار القصيرة، والله يؤتي فضله من يشاء، وهو ذو الفضل العظيم (١).


(١) قلت: وحذار أن تظن مما ذكرته لك، من ضخامة المصنفات، وكثرة المؤلفات، لأولئك العلماء الكبار: أنهم أعلم من العلماء السابقين والسلف المتقدمين، فهذا ظن خاطئ، فليست كثرة المؤلفات ولا ضخامة المصنفات وما فيها من الكلام الطويل الكثير، معيارا لأعلمية هؤلاء وتقدمهم بالعلم على من سبقهم، فالسلف أعلم بشرع الله ودينه من الخلف، ولكن الكلام في السلف قليل، وفي الخلف كثير! وهذا الذي قد يغر بذلك! كلمات طائفة من التابعين في أعلمية السلف من الخلف
١ - قال مجاهد بن جبر المكي، التابعي الجليل، وشيخ القراء والمفسرين، الحافظ المحدث الإمام، الفقيه العابد، المولود سنة ٢١، والمتوفي سنة ١٠٤ رحمه الله تعالى: ((ذهب العلماء! فلم يبق إلا المتعلمون، وما المجتهد فيكم اليوم، إلا كاللاعب فيمن كان قبلكم)). من ((التاريخ الكبير)) لابن أبي خيثمة (مخطوط).
٢ - وقال بلال بن سعد الأشعري الدمشقي، التابعي الجليل، والإمام الرباني الواعظ، شيخ أهل دمشق، أحد الثقات الزهاد، والعلماء العباد، المتوفي بحدود سنة ١٢٠ رحمه الله تعالى: ((زاهدكم راغب، ومجتهدكم مقصر، وعالمكم جاهل، وجاهلكم مغتر)). من ((كتاب الزهد)) للإمام عبد الله بن المبارك ص ٦٠.
٣ - وقال حماد بن زيد: قيل لأيوب السختياني - البصري، التابعي الجليل، والحافظ الإمام، أحد الأعلام، سيد الفقهاء والعلماء، المولود سنة ٦٨، والمتوفي سنة ١٣١ رحمه الله تعالى -: ((العلم اليوم أكثر أم أقل؟ قال: الكلام اليوم أكثر، والعلم كان قبل اليوم أكثر)). من ((المعرفة والتاريخ)) للفسوي ٢٣٢:٢.
٤ - وقال أبو عمرو بن العلاء البصري، التابعي الجليل، المولود سنة ٧٠، والمتوفي سنة ١٥ رحمه الله تعالى، أحد القراء السبعة، وأعلم أهل عصره بالقرآن والقراءات والعربية والأدب والشعر والنحو، وكانت كتبه التي كتبها عن العرب الفصحاء، الذين خالطهم ولقيهم، قد ملأت بيتا له إلى قريب من السقف: ((ما نحن فيمن مضي))، إلا كبقل في أصول نخل طوال)). من كتاب ((موضح أوهام الجمع والتفريق)) للحافظ الخطيب البغدادي ٥:١. فهؤلاء الأئمة التابعون الأربعة، من بلدان متباعدة، وفي أزمان مختلفة، قد اتفقت عباراتهم على مضمون واحد هو أعلمية السلف السابقين على مثلهم السلف الخالفين، فكيف من تأخر زمانهم عنهم قليلا أو كثيرا، فالبون بينهم شديد وكبير وإن كانوا أئمة كبارا. وقد نبه إلى هذا غير واحد من العلماء الكبار، ولولا طول كلامهم وضيق المقام لنقلت كلام عدة من الأئمة في هذا الموضوع، وأكتفي هنا بنقل جمل من كلام الإمام الحافظ ابن رجب الحنبلي، المولود سنة ٧٣٦، والمتوفي سنة ٧٩٥ رحمه الله تعالى، فقد قال في كتابه النفيس ((فضل علم السلف على الخلف)) في ص ٢٦و٢٨و٤٧ ما يلي: ((وقد فتن كثير من المتأخرين بهذا - أي بكثرة الكلام - فظنوا أن من كثر كلامه وجداله وخصامه في مسائل الدين، فهو أعلم ممن ليس كذلك، وهذا جهل محض! وانظر إلى أكابر الصحابة وعلمائهم، كأبي بكر وعمر - وعثمان - وعلي، ومعاذ وابن مسعود وزيد بن ثابت، كيف كانوا: كلامهم أقل من كلام ابن عباس، وهم أعلم منه. وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة، والصحابة أعلم منهم، وكذلك تابعو التابعين كلامهم أكثر من كلام التابعين، والتابعون أعلم منهم. فليس العلم بكثرة الرواية، ولا بكثرة المقال، ولكنه نور يقذف في القلب، يفهم به العبد الحق، ويميز به بينه وبين الباطل، ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم، واختصر له الكلام اختصارا، ولهذا ورد النهي عن كثرة الكلام، والتوسع في القيل والقال. وقد ابتلينا بجهلة من الناس! يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممن تقدم! فمنهم من يظن في شخص أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم، لكثرة بيانه ومقاله! ومنهم من يقول: هو أعلم من الفقهاء المشهورين المتبوعين! وهذا يلزم منه ما قبله! لأن هؤلاء الفقهاء المشهورين المتبوعين أكثر قولا ممن كان قبلهم، فإذا كان من بعدهم أعلم منهم لاتساع قوله، كانوا هم أعلم ممن كان أقل منهم قولا بطريق أولى، كثالوري والأوزاعي والليث وابن المبارك وطبقتهم، وممن قبلهم من التابعين والصحابة أيضا، فإن هؤلاء كلهم أقل كلاما ممن جاء بعدهم. وهذا تنقص عظيم بالسلف الصالح! وإساءة ظن بهم! ونسبة إلى الجهل وقصور العلم! ولا حول ولا قوة إلا بالله)). انتهى باختصار وإيجاز، وكلامه في هذا الموضوع طويل، لا يتسع المقام لاستيفائه هنا.

<<  <   >  >>