للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَاخْتُلِفَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّرْدِ، فَقِيلَ: إِنَّ الشَّبَهَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِوَصْفٍ يُوهِمُ الْمُنَاسَبَةَ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَالطَّرْدُ: الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِمُجَرَّدِ الطَّرْدِ، وَهُوَ السَّلَامَةُ عَنِ النَّقْضِ وَنَحْوِهِ.

وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي "الْمُسْتَصْفَى"١: الشَّبَهُ لَا بُدَّ أَنْ يَزِيدَ عَلَى الطَّرْدِ بِمُنَاسَبَةِ الْوَصْفِ الْجَامِعِ لِعِلَّةِ الْحُكْمِ وَإِنْ لَمْ يُنَاسِبِ الْحُكْمَ، قَالَ: وَإِنْ لَمْ يُرِيدُوا بِقِيَاسِ الشَّبَهِ هَذَا، فَلَا أَدْرِي مَا أَرَادُوا بِهِ، وَبِمَا فَصَلُوهُ عَنِ الطَّرْدِ الْمَحْضِ.

وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الشَّبَهِيَّ وَالطَّرْدِيَّ يَجْتَمِعَانِ فِي عَدَمِ الظُّهُورِ فِي الْمُنَاسِبِ، وَيَتَخَالَفَانِ فِي أَنَّ الطَّرْدِيَّ عُهِدَ مِنَ الشَّارِعِ عَدَمُ الِالْتِفَاتِ إِلَيْهِ، وَسُمِّيَ شَبَهًا؛ لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ الْوُقُوفِ عَلَى الْمُنَاسَبَةِ يَجْزِمُ الْمُجْتَهِدُ بِعَدَمِ مُنَاسَبَتِهِ، وَمِنْ حَيْثُ اعْتِبَارُ الشَّرْعِ لَهُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ يُشْبِهُ الْمُنَاسِبَ، فَهُوَ بَيْنَ الْمُنَاسِبِ وَالطَّرْدِيِّ.

وَفَرَّقَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ بَيْنَ الشَّبَهِ وَالطَّرْدِ؛ بِأَنَّ الطَّرْدَ نِسْبَةُ ثُبُوتِ الْحُكْمِ إِلَيْهِ وَنَفْيُهُ عَلَى السَّوَاءِ، وَالشَّبَهُ نِسْبَةُ الثُّبُوتِ إِلَيْهِ مُتَرَجِّحَةٌ عَلَى نِسْبَةِ النَّفْيِ، فَافْتَرَقَا.

قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي "مُخْتَصَرِ الْمُنْتَهَى": وَيَتَمَيَّزُ، يَعْنِي: الشَّبَهَ عَنِ الطَّرْدِيِّ، بِأَنَّ وُجُودَهُ كَالْعَدَمِ، وَعَنِ الْمُنَاسِبِ الذَّاتِيِّ بِأَنَّ مُنَاسَبَتَهُ عَقْلِيَّةٌ، وَإِنْ لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِهِ كَالْإِسْكَارِ فِي التَّحْرِيمِ.

مِثَالُهُ: طَهَارَةٌ تُرَادُ لِلصَّلَاةِ، فَيَتَعَيَّنُ الْمَاءُ كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ، فَالْمُنَاسَبَةُ غَيْرُ ظَاهِرَةٍ، وَاعْتِبَارُهَا فِي مَسِّ المصحف والصلاة يوهم المناسبة. انتهى.


١ انظر المستصفى ٢/ ٣١١ فإن الغزالي أورد أمثلة لذلك وله كلام مطول في ذلك لم يذكره الإمام الشوكاني رحمه الله هنا.

<<  <  ج: ص:  >  >>