للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ويُستنكر التفرد في بعض الروايات؛ لكونه قد يكون مؤشراً لوجود علة فيها (١)، وألمح ابن الوزير كذلك إلى سبب استنكار بعض تفرّدات الرواة فقال: "قلت: أما من تفرد عن العالم الحريص على نشر ما عنده من الحديث وتدوينه، ولذلك العالم كتب معروفة وقد قُيَّد حديثه فيها، وتلاميذه حُفَّاظ حِراص على ضبط حديثه وكتبه حفظا وكتابة، فكلام المحدثين

معقول؛ لأن في شذوذه (٢) ريبة توجب زوال الظن (٣) على حسب القرائن، وهو موضع اجتهاد، وأمّا من شذَّ بحديث عمن ليس كذلك فلا يلزم ردُّه" (٤).

وقد مثّل ابن الصلاح لقيد التفرّد بقوله:

"ومثال الثاني - وهو الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرده-: ما رويناه من حديث أبي زكير يحيى بن محمد بن قيس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((كلوا البلح بالتمر؛ فإن الشيطان إذا رأى ذلك غاظه، ويقول: عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخَلِق (٥))) تفرد به أبو زكير وهو شيخ صالح أخرج عنه مسلم في كتابه (٦)، غير أنه لم يبلغ مبلغ من يحتمل تفرده. والله أعلم" (٧).


(١) سبق الإشارة إلى هذا في فصل الحديث الشاذ.
(٢) أي: انفراده.
(٣) " (توجب زوال الظن) بحفظه (على حسب القرائن وهو موضع اجتهاد) رداً وقبولاً". الصنعاني، توضيح الأفكار، ١/ ٣٨٤.
(٤) ابن الوزير، التنقيح، ١٥٢ - ١٥٣.
(٥) الخَلِق: البالي والقديم. ينظر مادة (خ ل ق): ابن الأثير، النهاية، ٢/ ٧١، ابن منظور، اللسان، ١٠/ ٨٨.
(٦) قال ابن الملقن: "إنما أخرج له مسلم في المتابعات لا في الأصول" ابن الملقن، المقنع، ١/ ١٨٦، ينظر: العراقي، التقييد، ١٠٩، السخاوي، فتح المغيث، ١/ ٢٥٢.
(٧) ابن الصلاح، علوم الحديث، ٨٢.

<<  <   >  >>