للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

"فِيمَا سَقَتِ السَّمَاُء وَالْعُيُونُ العُشر، وَفِيمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْف العُشر" (١) فإنه سيق لبيان المقدار الواجب في إخراج الزكاة لا لبيان الواجب فيه، (٢) فهل يستدل به على ما سيق له فقط فلا يكون حجة في إيجاب الزكاة في كلّ ما سقت السماء؟ أم أنه يكون عامّاً في كلّ ما يصلح له فيستدل به على وجوب الزكاة في الخَضْراوات، كما ذهب إليه الحنفية؟ (٣)

ومن أمثلة ذلك الإستدلال على تحديد وقت صلاة الظهر، فقد استدل الحنفية بقول أهل الكتاب: "نَحْنُ أكثَرُ عَمَلاً وَأَقَلُّ عَطَاءٌ" في حديث البخاري عَنْ عبد الله ابْنِ عُمَرَ ابْنِ الخَطَّابِ رَضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: "إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالاً فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ ثُمَّ عَمِلَتِ النَّصَارَى عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ ثُمَّ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَعْمَلُونَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغَارِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَقَالُوا: نَحْنُ أكثَرُ عَمَلاً وَأَقَل عَطَاءٍ قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئاً قَالُوا: لَا. فَقَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ" (٤) على كون وقت الظهر أطول من وقت العصر. واعترض عليهم الجمهور بأن سياق الحديث لم يكن لبيان أوقات الصلوات، وإنما لبيان فضل هذه الأمة على سائر الأمم سيضعف ما تقتضيه إشارة النص من كون وقت الظهر أطول من وقت العصر، خاصة وأنه قد وردت أحاديث أخرى في سياق بيان أوقات الصلوات تدلّ على خلاف ذلك، فيكون الأخذ بها أولى لأنها سيقت لخصوص ذلك، فهي أقوى. (٥)


(١) سنن الترمذي، كتاب الزكاة، باب (١٤)، ج ٢، ص ٧٥، الحديث (٦٣٩).
(٢) أما بيان المقدار الذي تجب فيه الزكاة من الزروع، فما روى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس فيما دون خمس ذود (إبل) صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة". سنن الترمذي، كتاب الزكاة، باب (٧)، ج ٢، ص ٦٩، الحديث (٦٢٦).
(٣) انظر الزركشي: البحر المحيط، ج ٣، ص ١٩٧، والجويني: البرهان، ج ١، ص ٣٥٤.
(٤) صحيح البخاري، كتاب الإجارة، باب (٩)، مج ٢، ج ٣، ص ٧٠، الحديث (٢٢٦٨).
(٥) انظر ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، (لاهور/ باكستان: فاران اكيدمي، د. ط، د. ت)، ج ١، ص ٦٧.

<<  <   >  >>