للجملة الأخيرة التي يليها أعنى جملة {لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ} لأنه لو رجع لها لكان المعنى: أنه لولا فضل اللَّه عليكم ورحمته لضللتم باتباع الشيطان إلا قليلًا فلا يضل ولا يتبع الشيطان لعدم حاجته إلى فضل اللَّه ورحمته. بل {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ} كُلًّا بحيث لم ينج منكم أحدٌ، لا قليل ولا كثير.
والعلماء مختلفون في مرجع هذا الاستثناء. فقيل: راجع لقوله تعالي: {أَذَاعُوا بِهِ}. وقيل: راجع لقوله: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ}.
فإذا لم يرجع الاستثناء للجملة التي تواليه، فلا يكون نصًّا في أنه راجع إلى غيرها بالأحرى.
وقيل: إن هذا الاستثناء راجع للجملة التي تليها، وعليه فالمعنى:{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} ببعثه محمد صلى اللَّه عليه وآله وسلم بهذه الحقيقة السمحة {لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ} في ملة آبائكم من الكفر وعبادة الأصنام {إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)} ممن كانوا على ملة إبراهيم، كورقة بن نوفل، وزيد بن نفيل، وقس بن ساعدة، وأضرابهم.
وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله: {لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)} هو أن معناه: لاتبعتم الشيطان كُلًّا.
والعرب تطلق القلة وتريد بها العدم، واستدل القائل بهذا القول بقول الطرماح بن حكيم يمدح يزيد بن المهلب: