للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ومضى يقرؤها، فتأملته قريش وقالت: ماذا قال ابن أم عبد؟! تبًّا له، إنه يتلو بعض ما جاء به محمد، وقاموا إليه وجعلوا يضربون وجهه وهو يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ، ثم انصرف إلى أصحابه والدم يسيل منه، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك، فقال: والله ما كان أعداء الله أهون في عيني منهم الآن، وإن شئتم لأُغَادينَّهم بمثلها غدًا، قالوا: لا، حسبك، لقد أسمعتهم ما يكرهون (١).

وهذا عمرو بن الجموح يرى أبناءه الثلاثة يتجهزون للقاء أعداء الله في أُحد، فعزم على أن يغدو معهم إلى الجهاد، لكن الفتية أجمعوا على منع أبيهم مما عزم عليه، فهو شيخ كبير طاعن في السن، وهو إلى ذلك أعرج شديد العرج، وقد عذره الله فيمن عذرهم، فقالوا له: يا أبانا، إن الله عذرك، فعلام تُكلف نفسك ما أعفاك الله منه؟!

فغضب الشيخ من قولهم، وانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكوهم، فقال: يا نبي الله، إن أبنائي هؤلاء يريدون أن يحبسوني عن هذا الخير وهم يتذرعون بأني أعرج، والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبنائه: «دعوه؛ لعل الله عز وجل أن يرزقه الشهادة». فخلوا عنه إذعانًا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وما إن أزِف وقت الخروج، حتى ودع عمرو بن الجموح زوجته، ثم اتجه إلى القبلة ورفع كفيه إلى السماء وقال: «اللهم ارزقني الشهادة ولا تردني إلى أهلي خائبًا». ثم انطلق يُحيط به أبناءه الثلاثة .. ولما حمي وطيس المعركة، وتفرق الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شوهد عمرو بن الجموح يمضي في الرعيل الأول ويثب على رجله الصحيحة وثبًا وهو يقول: إني لمَشتاق إلى الجنة، إني لمَشتاق إلى الجنة، وكان وراءه ابنه «خلَّاد» ومازال الشيخ وفتاه يجاهدان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خرَّا صريعين شهيدين على أرض المعركة، ليس بين الابن وأبيه إلا لحظات (٢).

أعمى يحمل الراية:

وإن تعجب من أثر الإيمان فعَجَبٌ إصرار عبد الله بن أم مكتوم على الجهاد وهو أعمى، وسفره مع جيش سعد بن أبي وقاص إلى القادسية لملاقاة الفرس، وهو لابس درعه، مستكمل عدته، فيتقدم ليحمل راية المسلمين ... وهو أعمى!! ويحافظ عليها إلى أن قُتل شهيدًا، وهو يحتضن الراية!! (٣).

ومن ثمار الإيمان:

سادسًا: الرغبة في الله

كلما ازداد الإيمان بالله عز وجل ازدادت ثقة العبد فيه سبحانه وبأنه مالك الملك، المتصرف في شؤون كل ذرة فيه، العليم الخبير الذي لا تغيب عنه أي حركة أو سكنة في هذا الكون .. القادر المقتدر، الغفور الرحيم ... .

وبنمو هذه الثقة في القلب تزداد رغبة العبد في ربه فيصبح ذهنه مشغولًا بالتفكير فيه، وقلبه حاضرًا معه .. فيتوجه إليه بالأعمال، ويتزين له بالأفعال التي ترضيه .. يُكثر من مناجاته وبث أشواقه إليه ... يسترضيه كلما قصَّر أو زلَّت قدمه ... يطلب منه المساعدة في كل أموره، والشهادة على ما يحدث له.

وفي المقابل: يصغُر حجم الناس في نظره وتقل الثقة فيهم حتى تنمحي من حيث كونهم لا يملكون له نفعًا أو ضرًّا، فلا يتزين لهم في أفعاله، ولا يسعى لعلو منزلته عندهم، بل يستغني عنهم، وينقطع من قلبه الطمع فيهم، ومن ثَّم لا يرائيهم بأقواله أو أفعاله ..


(١) صور إيمانية من حياة الصحابة والتابعين ١/ ٣١٤، نقلًا عن سير أعلام النبلاء للذهبي، وصفة الصفوة لابن الجوزي.
(٢) سير أعلام النبلاء (١/ ٥٤)، وتاريخ الإسلام للذهبي (٢/ ٢١٦)، والبداية والنهاية لابن كثير (٤/ ٤٢).
(٣) صور إيمانية من حياة الصحابة والتابعين ١/ ١٣١، ١٣٢، نقلًا عن الإصابة لابن حجر، والطبقات لابن سعد، وصفة الصفوة لابن الجوزي، والاستيعاب لابن عبد البر.

<<  <   >  >>