للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وكلما نما الإيمان أكثر وأكثر صار الإنفاق أحب إليه من الإمساك، وهو حين يفعل ذلك يفعله بدافع الثقة العميقة بأن الآخرة هي خير وأبقى، وأن الحياة في الجنة هي الحياة الحقيقية الدائمة التي ينبغي أن يتجهز لها العبد فيؤدي ذلك الإيمان إلى تحيُّن أي فرصة لإرسال ما يُمكن إرساله من أموال وخلافه إلى داره الباقية «هناك»، ويجد صعوبة في إبقاء الشيء لداره الدنيوية التي يشعر أنه سيتركها بين لحظة وأخرى.

ولك أن تتأكد من هذا المعنى أكثر وأكثر إذا ما راجعت سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكيف أنه مات ودرعه مرهونًا عند يهودي مع أنه صلى الله عليه وسلم قد جاءته أموال كثيرة من الغنائم كغنائم خيبر والطائف، لكنه كان يُنفقها إنفاق من لا يخشى الفقر، فكما يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: ما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئًا إلا أعطاه، ولقد جاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر (١).

وعن عائشة أنهم ذبحوا شاة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما بقي منها؟» قالت: ما بقي منها إلا كتفها. قال: «بقي كلها إلا كتفها» (٢).

ولقد مرَّ علينا قول أبي الدرداء عندما عوتب في عدم وجود أغطية في بيته تقيه وتقي ضيوفه من برد الشتاء حيث قال: لنا دار هناك نُرسل إليها تباعا كل ما نحصل عليها من متاع، ولو كُنَّا استبقينا في هذه الدار شيئا منها لبعثنا بها إليكم.

وليس معنى هذا هو حب الفقر والرغبة فيه، فلقد استعاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منه «وأعوذ بك من الكفر والفقر» (٣). ولكننا - هنا - نتكلم عن حالة إيمانية سامقة يعيشها القلب تدفعه إلى الضن بالمال على الدنيا، والاكتفاء بأقل القليل لتيسير أموره فيها، وإرسال كل ما يُمكن إرساله إلى الدار الباقية.

ولقد كان هناك أثرياء في الصحابة رضوان الله عليهم نتيجة عملهم في التجارة كعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، ولكنهم كانوا يُحبون إنفاق أموالهم أكثر من حبهم لإمساكها، بل كانوا يتحينون أي فرصة تتاح لهم لبذل تلك الأموال كما فعل عثمان بن عفان رضي الله عنه في تجهيز جيش العسرة، وشراء بئر رومة، وكما فعل عبد الرحمن بن عوف - كما مرَّ علينا - عندما أخرج كل تجارته التي جاءت من الشام لله عز وجل بعدما بلغه قول السيدة عائشة: بارك الله فيما أعطاه في الدنيا، ولثواب الآخرة أعظم.

[النمو الإيماني والتعلق بالبشر]

في أوقات الغفلة وقبل حدوث اليقظة الإيمانية، تكون ثقة المرء في ربه، وفي أنه مالك الكون ومدبر أموره والقائم عليه؛ محدودة، وفي المقابل تكون ثقته في الناس وفي قدراتهم الظاهرة أمامه كبيرة، ومن ثَمَّ يزداد إيمانه في إمكانية نفعهم أو ضرهم له، فيسعى لنيل رضاهم والاستفادة منهم، لذلك تجده يتزين لهم بأقواله وأفعاله .. يفرح بمدحهم، ويحزن من نقدهم .. يسعى دوما لتحسين صورته أمامهم لعله ينال حظوتهم.

فإذا ما حدثت اليقظة وازداد الإيمان نموًّا في القلب ازدادت تبعًا له الثقة في الله عز وجل، ومن ثَمَّ تحولت هذه المشاعر تدريجيًّا نحوه سبحانه، وانصرفت عن الناس، فيقل الاهتمام بهم والتفكير فيهم، والحرص على نيل رضاهم.


(١) أخرجه مسلم في الفضائل (٢٣١٢).
(٢) حديث صحيح: أخرجه أحمد (٦/ ٥٠)، والترمذي (٤/ ٦٤٤، رقم ٢٤٧٠) وقال: صحيح، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (٢٥٤٤).
(٣) أخرجه ابن أبى شيبة (٦/ ٢٤، رقم ٢٩١٨٤)، وأبو داود (٤/ ٣٢٤، رقم ٥٠٩٠)، وأحمد (٥/ ٤٢، رقم ٢٠٤٤٦)، وقال الشيخ الألباني صحيح الإسناد.

<<  <   >  >>