للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وَخير غُلَاما بَين أَبِيه وَأمه وَذَلِكَ إِذا كَانَ مُمَيّزا.

اعْلَم أَن الْإِنْسَان مدنِي بالطبع لَا يَسْتَقِيم معاشه إِلَّا بتعاون بَينهم، وَلَا تعاون إِلَّا بالألفة وَالرَّحْمَة فِيمَا بَينهم، وَلَا ألفة إِلَّا بالمواساة ومراعاة الخواطر من الْجَانِبَيْنِ، وَلَيْسَ التعاون على مرتبَة وَاحِدَة، بل لَهُ مَرَاتِب يخْتَلف باختلافها الْبر والصلة، فأدناها الارتباط الْوَاقِع بَين الْمُسلمين، وحد رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبر فِيمَا بَينهم بِخمْس، فَقَالَ: " حق الْمُسلم على الْمُسلم خمس: رد السَّلَام، وعيادة الْمَرِيض، وَاتِّبَاع الْجَنَائِز، وَإجَابَة الدعْوَة وتشميت الْعَاطِس " وَفِي رِوَايَة سِتَّة السَّادِسَة " إِذا استنصحك فانصح لَهُ: وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أطعموا الجائع، وفكوا العاني " يَعْنِي الْأَسير.

والسر فِي ذَلِك أَن هَذِه الْخمس أَو السِّت خَفِيفَة المؤنه مورثة للألفة، ثمَّ الارتباط الْوَاقِع بَين أهل الْحَيّ وَالْجِيرَان والأرحام، فتتأكد هَذِه الْأَشْيَاء فِيمَا بَينهم، وتتأكد التَّعْزِيَة والتهنئة والزيارة والمهاداة، وَأوجب النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أمورا يتقيدون بهَا شَاءُوا أم أَبَوا كَقَوْلِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" من ملك ذَا رحم محرم فَهُوَ حر وكباب الدِّيات ".

ثمَّ الارتباط الْوَاقِع بَين أهل الْمنزل من الزَّوْجَة وَمَا ملكت يَمِينه أما الزَّوْجَة فقد ذكرنَا الْبر مَعهَا، وَأما مَا ملكت الْيَمين فَجعل النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بره على مرتبتين: إِحْدَاهمَا واجبه يلْزمهُم أشاءوا أم أَبُو، وَالثَّانيَِة ندب إِلَيْهَا، وحث عَلَيْهَا من غير إِيجَاب.

أما الأولى فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" للمملوك طَعَامه وَكسوته، وَلَا يُكَلف من الْعَمَل مَا لَا يُطيق " وَذَلِكَ أَنه مَشْغُول بخدمته عَن الِاكْتِسَاب، فَوَجَبَ أَن تكون كِفَايَته عَلَيْهِ، وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" من قذف مَمْلُوكه، وَهُوَ برِئ مِمَّا قَالَ جلد يَوْم الْقِيَامَة " وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام: " من جدع عَبده فَالْعَبْد حر عَلَيْهِ ".

أَقُول: وَذَلِكَ أَن إِفْسَاد ملكه عَلَيْهِ مزجرة عَن أَن يفعل مَا فعل.

وَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يجلد فَوق عشر جلدات إِلَّا فِي حد من حُدُود الله " أَقُول: وَذَلِكَ سد لباب الظُّلم والامعان فِي التعزيز زِيَادَة بِالْحَدِّ على الْحَد، أَو المُرَاد النَّهْي عَن أَن يُعَاقب فِي حق نَفسه أَكثر من عشر جلدات كَتَرْكِ مَا أَمر بِهِ وَنَحْو ذَلِك، وَالْمرَاد بِالْحَدِّ الذَّنب الْمنْهِي عَنهُ لحق الشَّرْع، وَهُوَ قَول الْقَائِل أصبت حدا، وَأرى ان هَذَا الْوَجْه أقرب، فان الْخُلَفَاء لم يزَالُوا يعزرون أَكثر من عشر فِي حُقُوق الشَّرْع.

وَأما الثَّانِيَة فَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

ِ " إِذا صنع لأحدكم خادمه طَعَامه، ثمَّ جَاءَ بِهِ، وَقد ولى حره ودخانه،

<<  <  ج: ص:  >  >>