للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وعلى هذا النحو لم يكن المتكلمون يؤثرون في الشعراء بما يفتقون من معانيهم الخاصة؛ بل كانوا يرددون على أسماعهم مثل هذه الأبيات التي يبدعون فيها ويغربون ويأتون بالنادر المستطرف من المعاني والصور. ولا نشك في أن الحسين ابن الضحاك كان يتأثر نزعتهم من الإغراق في الوهم والتجريد حين قال في بعض غزله١.

إنَّ من لا أرى وليس يراني ... نصب عيني ممثل بالأماني

بأبي مَنْ ضميره وضميري ... أبدًا بالمغيب ينتجيان

نحن شخصان إن نظرتَ وروحا ... ن إذا ما اختبرت يمتزجان

فإذا ما هممت بالأمر أوهَـ ... ـمَّ بشيء بدأته وبداني

كان وفْقًا ما كان منه ومني ... فكأني حكيته وحكاني

خطراتُ الجفون منا سواءٌ ... وسواءٌ تَحَرُّكُ الأبدان

وهذا غزل جديد، لا يقوم على الحِسِّ؛ وإنما يقوم على الوهم والإغراق في الخيال.

وليس هذا كل ما بعثه المتكلمون في الشعر والشعراء من جديد بفضل ما أذاعوا من دقائق الفكر والفلسفة، فإن جماعة منهم صنفت قصائد في مخالفيهم كقصيدة معدان الأعمى الشُّمَيْطي التي صنف فيها الرافضة والغالية من الشيعة٢. ويلمع هنا اسم بشر بن المعتمر؛ إذ يقول المرتضى: إن له أشعارًا كثيرة يحتج فيها على أهل المقالات٣، وروى له الجاحط في حيوانه شعرًا مزاوجًا في فضل على بن أبي طالب وتقدمه هو وأهل بيته على الخوارج يمضي على هذا النحو٤:

ما كان في أسلافهم أبو الحسن ... ولا ابن عَبَّاس ولا أهل السنن

غُرُّ مصابيح الدُّجى مناجِبُ ... أولئك الأعلامُ لا الأعارب


١ أغاني "طبعة دار الكتب" ٧/ ١٨٧.
٢ الحيوان ٢/ ٢٦٨.
٣ أمالي المرتضي ١/ ١٨٧.
٤ الحيوان ٦/ ٤٥٥.

<<  <   >  >>