للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وأشعارهم، وأكبَّ الشعراء عليهم بحثًا ودرسًا وتعمقًا واستقصاء؛ وبذلك اتصلت الأسباب وتوثقت بين قديم الشعر العربي وحديثه، واحتفظ بكل مادته ومشخصاتها على مر العصور وتعاقب الدهور.

وليس معنى ذلك أن الشعر العربي لم يتطور في العصر العباسي تطورًا واسعًا، ولكن معناه أن الشعراء كانوا في أثناء تطورهم به ينسقون بين سَدَى الماضي ولُحْمة الواقع ونغمات الغابر وألحان الحاضر. ونستطيع أن نستعرض فنون الشعر، فنًّا فنًّا فسنراها جميعًا تتطور، وإن كان التطور يختلف كثرة وقلة؛ فهو في المديح والشعر الرسمي محدود، إذ نجد الشاعر يحافظ غالبًا على التقاليد الفنية الموروثة، ولكنه مع ذلك يلوِّن في معانيه تلوينًا واسعًا بفضل ثقافته وما أتاحت له من قدرة على توليد المعاني والغوص على الأفكار والأحاسيس الدقيقة من مثل قول بشار في عمر بن العلاء١:

دعاني إلى عُمَرٍ جودُهُ ... وقول العشيرة بحر خِضَم

ولولا الذي ذكروا لم أكن ... لأمدح ريحانة قبل شم

فتى لا ينام على دِمْنَةٍ ... ولا يشرب الماء إلا بدم٢

إذا نَبَّهَتْكَ حروب العُداة ... فنَبِّهْ لها عُمْرًا ثُمَّ نَمْ

وقل علي بن جبلة في أبي دُلَف العِجْلي٣:

كل من في الأرض من عَرَبٍ ... بين باديه إلى حَضَرِهْ

مستعير منك مكرمةً ... يكتسيها يوم مُفتَخَرِه

إنما الدنيا أبو دُلَفٍ ... بين مغزاه ومحتضره

فإذا ولَّى أبو دلفٍ ... ولَّت الدنيا على أَثَرِهْ

وتفيض كتب الأدب والنقد بمثل هذه المعاني الرائعة. وكذلك كان شأنهم في الرثاء؛ إذ أدخلوا فيه كثيرًا من خيوط الحكمة والعظة التي قرءوها،


١ طبقات الشعراء ص٢٥، والأغاني ٣/ ١٩٣.
٢ الدمنة: الحقد.
٣ طبقات الشعراء ص١٧٢.

<<  <   >  >>