للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[النصوص المناقضة لألوهية المسيح]

رأى المحققون أن الأحوال البشرية المختلفة التي رافقت المسيح - عليه السلام - طوال حياته تمنع قول النصارى أن المسيح هو الله أو ابنه، إذ لا يليق بالإله أن يولد ويأكل ويشرب ويختن ويضرب و ... ثم يموت.

ولا يشفع للنصارى قولهم بأن هذه الأفعال صدرت من الناسوت لا اللاهوت، لأنهم لا يقولون بأن تجسد الإله في المسيح - عليه السلام - كان كالجبة أو العمامة يلبسها المسيح أحياناً، وينزعها أخرى، فما صدر منه إنما صدر من الإله المتجسد كما زعموا، وإلا لزمهم الاعتراف ببشريته، وهو الصحيح.

يقول العالم أوريجانوس الذي خصى نفسه لأجل الملكوت (ت ٢٥٣م) في تفسيره لرسالة رومية: "بسبب الاتحاد الذي لا ينفك بين الكلمة والجسد، كل شيء يختص بالجسد ينسب أيضاً إلى الكلمة، وكل ما يختص بالكلمة يحمل على الجسد" (١)، وعليه نستطيع القول بأن الكلمة أو اللاهوت الحال في الجسد كان يأكل ويشرب وينام ويتعب، ويخطئ من نسب هذا للجسد دون اللاهوت المزعوم، لذلك يقول المطرانان يوسف ريا وكيرلس بسترس: "يمكننا القول حقاً: إن الله تجسد، وإن الله ولد وعطش وجاع، وإن الله تألم ومات وقام، وإن الله صعد إلى السماوات" (٢).

وممن يقول بالطبيعة الواحدة ورفض بدعة الطبيعتين التي لا نكاد نسمع غيرها اليوم البابا أثناسيوس الرسولي (ت ٣٧٣م) صاحب قانون الإيمان في مجمع نيقية: "هذا الواحد الإله هو ابن الله بالروح، وهو ابن الإنسان بالجسد، ليس أن الابن الواحد له طبيعتان، إحداهما مسجود لها (إلهية)، والأخرى غير مسجود لها (ناسوتية)، بل طبيعة واحدة لكلمة الله المتجسد الذي نسجد له مع جسده سجوداً واحداً"، وكان يقول: "ابن الله هو بعينه ابن الإنسان، وابن الإنسان هو بعينه ابن الله" (٣).

ويقول (القديس) باسيليوس الكبير (٣٧٨ م) أسقف قيصرية: "وليس أننا نقول على الابن الوحيد: إنه إنسان، ولا نقول: إن اللاهوت منفرد بذاته، ولا الناسوت منفرد بذاته. بل نقول: طبيعة واحدة وأقنوم واحد" (٤).

ويقول (القديس) أغريغوريوس أسقف نيصص (ت ٣٩٥م) في سياق تفسيره لقوله: "هذا هو ابني الحبيب": " لا تطلبوا لتجسده على الأرض أباً، ولا تطلبوا له في السماء أماً، لا تفرقوا بين لاهوته وناسوته، لأنه بعد اتحاده غير منفصل، وغير مختلط .. إذا رأيت ابني قد جاع أو عطش أو نام أو تعب ... فلا تحسب ذلك لجسده دون لاهوته، وإذا رأيت ابني يشفي المرضى ويطهر البرص بالقول ويصنع أعيناً من طين .. فلا تحسب


(١) موسوعة الأنبا غريغوريوس (اللاهوت المقارن)، ص (١٨٩).
(٢) التجسد فيض المحبة، المطران يوسف ريا والمطران كيرلس بسترس، المكتبة البولسية، ص (١٦).
(٣) الرأي الصريح في طبيعة ومشيئة المسيح، القمص غبريال عبد المسيح، ص (٥٩ - ٦٠)، وانظر طبيعة المسيح، البابا شنودة، ص (٩)، والله في المسيحية، عوض سمعان، ص (٤١١)، والخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة، الأنبا ايسذورس (٢/ ٣١٠).
(٤) الرأي الصريح في طبيعة ومشيئة المسيح، القمص غبريال عبد المسيح، ص (٥٨).

<<  <   >  >>